samedi 5 octobre 2019

الفصل الثاني: الجانب التّطبيقي

الفصل الثاني: الجانب التّطبيقي
2 تحليل شخصية الذّات: -
2 1 مكس مولر: إنسان مغترب حاول اثبات ذاته بنفسه، بتصويره لحالة الاكتئاب التي -
كان يعيشها في مختلف جوانب حياته رغم احتمائه بأحضان الطبيعة، لكن ذلك لم يمنع
الكآبة من مرافقته، فهو عندما يصرّ على شيء ينظر إليه نظرة سطحية لا يتعمق فيه،
وعندما استيقظ ووجد نفسه في فرنسا، طرح على نفسه الأسئلة الآتية مرغما: من أنا؟ وكيف
سيكون موقفي في هذا البلد؟ وكيف سأثبت ذاتي فيها؟ .وكان الشيء الذي يشعره بالحزن
هناك هو خيال الشفقة الذي كان يراه في أ عين الناس بأنّه غريب عن ذلك البلد، فالإحساس
بالخوف كان هاجسا يتملّك نفسه، فالصوت الحقيقي بالنسبة له هو الوحدة والهجرة والاغتراب
إلى بلد لا ينتمي إليه، عاش فيه غريبا عن كل ما يتعلّق به، تائها لا يعرف من أين الدخول
أو الخروج، صورة وطنه لم تفارق عينيه وحنينه إليه دائم، لأنه لم يشعر يوما بالدفيء بين
أحضان ذلك البلد. وما يميزه أنه ورث عن أبيه قريحته، ومخيّلته، إذ امتاز في صغره بالذكاء
وسرعة الخاطر، وقوّة الخيال، حيث يكاد نثره يكون شعرا لما فيه من الصور الخيالية، وكان
بيت أبيه ناديا أدبيا) 1 .)
2 2 مي زيادة: كانت مي تدرس اللغة الألمانية في القاهرة، تزوّدت بمجموعة من -
الكتب قبل الرحيل، وأضافت إلى حقيبتها كتاب ماكس مولر ''الحب الألماني'' لأنّ
السيدة البروسية قامت بقراءته عدة مرات حتى ابتهجت بمحاسنه واعجابها الكثير به.
1 - ،1111 ، فريدريج مكس مولر: ابتسامات ودموع، ت: مي زيادة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة. مصر ط 1
. ص 11
وبالرّغم من أنّها لم تكن تملك معجما ألمانيا تستعين به، إلاّ أنّها استخدمت القلم
والقرطاس لرسم تلك الخطوط البديعة بلغتها وأسلوبها، حيث قامت مي زيادة بترجمة
رواية ''الحب الألماني'' من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية باعتبار أ نها سارده ثانية
)الأنا العربية( إذ ألمت بروح الكتاب إلماما يكاد يكون تاما، على الرغم من أنّها أهملت
طائفة من الأفكار الجميلة والمعاني الراقية التي لا يمكن تجاوزها باعتبارها مغتربة،
أحست بنفس الشعور الذي كان ماكس مولر يحس به، وساندته في كل الجوانب لأ نها
عاشت حالة الاغتراب نفسها التي عاشها ماكس مولر) 1 .)
3 المقطوعات السردية: -
فريدريج مكس مولر يريد إثبات ذاته بنفسه، ويصور طريقة الاكتئاب التي يعيشها في
مختلف جوانب حياته، والعوامل الدافعة لاجتماعها رغم احتمائه بأحضان الطبيعية، لكن
على الرغم من ذلك لا يضع الكآبة رفيقة له، فهو عندما يمرّ على شيء ينظر إليه نظرة
سطحية لا يتعمّ ق فيه، وعندما استيقظ ووجد نفسه في فرنسا أرغم على طرح الأسئلة الآتية
على نفسه: من أنا؟ وكيف سيكون موقفي في هذا البلد؟ وكيف سأثبت ذاتي فيه؟. أسئلة
كثيرة جعلته انسانا جديدا يفكر بذاته وكيانه ووجوده. حصر فريدريج ماكس مولر نفسه مع
1 - .11 ،11 ، الرواية: ص 11
ذكرياته التي أصبحت تسيطر على فكره، حيث قسمها إلى عدة فصول، وكل فصل يحيل
إلى حدث مهم) 1 :)
3 1 الحدث الأوّل: - -
يتمثل الحدث الأ ول عند فريديريج مكس مولر صورة طفولته التي اشتاق إليها بكل ما
تحمله من أسرار و ميزات والتي مرّت بسرعة البرق دون ان يحس بها، إذ شبّهها بغابة هادئة
مسحورة. ومن المعروف أنّ طفولة الإنسان مليئة بالدهشة والسعادة والطمأنينة، والر
النفسية، فهو يصوّر لنا أنّ العالم هو ملك له، ولا توجد فيه بداية ولا نهاية؛ أي أنه يعيش
بصفاء قلبه.
3 2 الحدث الثّاني: - -
يتذكر فيه ماكس مولر الكنيسة ذات الصليب التي كانت على مقربة من بيته، والتي
سماها ''بكنيسة طفولتي''، بحيث قام بوصفها بدقّة شديدة، لما تحتويه من حارائر قرمزية،
وأشجار الليمون المنتصبة بين ساحاتها المنتصبة برائحتها التي تنعش أنفاس كل مار بها،
والجرس الذي يتردد صداه من أعالي قصورها.
3 3 الحدث الثالث: - -
يتذكّر فيه مكس مولر وهو في سن السادسة كلمة ''الأمير والأميرة''، وكل ما يدور
داخل الحرم الملكي والذّي كان يذهب إليه ليشارك الأمراء ألعابهم، وتعلم اللغة الفرنسية
معهم.
1 - .13 ،11 ،12 ، الرواية: ص 11
3 4 الحدث الرابع: - -
يذكر فيه مكس مولر إلى أنّه عندما كبر أحس باختلاف الحياة عمّا كانت تتصوره
مخيلته من قبل، وبعد مرور أعوام كثيرة يعود الطالب إلى وطنه، وفي قلبه اشتياق إلى كل
ما تركه من خلفه أثناء رحيله.
3 5 الحدث الخامس: - -
يقرّ هنا مولر باتّساع فكره، حيث اكتشف بأنّ روحه لم تكن فارغة، بل كفيلة بإخراج
البراعم والأزهار إلى الوجود، والحياة، فهو يتذكّر تلك المرأة التي كان يحبها، والمصوّر
الإيطالي، اوللاّهوت الألماني، وكلاما يتعلق بالماضي يدرسه من جديد، وكأنّه لم يعش يوما
في ألمانيا.
3 6 الحدث السادس: - -
يتحدّث فيه مولر عن طبيب البلدة الذي كان صديقا للجميع، والذّي كان السبب في
دخول الأطفال على يده إلى عالم الأبوة والأمومة، لكنه على الرغم من ذلك مازال يعاملهم
معاملة الأب لأبنائه.
3 7 الحدث السّابع: - -
يصور مولر هنا بتلك الجبال الشاهقة والأودية العميقة والوهاد الغائرة والشلالات
المتدفقة التي احلّت ذاكراته وألهمت شعوره، وأيقظت عينيه واشتياقه لها.
3 8 الحدث الثّامن: - -
يمدح فيه الكاتب حبيبته التي سماها بفتاة الجبال، والتي أبدع في تصويرها، فهو
يودعها بمجموعة من الكلمات الجميلة، متأ لما لفراقها.
3 9 الحدث التاسع والذّكرى الأخيرة: - -
يقرّ هنا مولر بحب فتاة الجبال الذي سيطر على قلبه، فهو يسرد لنا مأساته ومعاناته
من ولعه بتلك الفتاة، فهو قد ضحى بسعادته من أجلها، وهي على فراش الموت ) 1 .)
4 دراسة الشخصيات والأماكن والفضاءات: -
4 1 في الذّكرى الأولى: - -
في الذّكرى الأولى يتحدث الكاتب عن طفولته وما تحمله من ميزات و أسرار ، إذ كانت
ذكراه ذكرى غابة مسحورة، فعندما يفتح الطفل عينيه يجد نفسه أمام عالم يسمى في نظره
بدهشة السعادة، وعندما يتفحص روحه يجدها مملوءة بالحياة الجديدة الفائضة، فهو مشتاق
إلى طفولته التي رسمها في ذهنه على شكل مجموعة من الذكريات ، وعندما استيقظ حصر
نفسه مع ذكريات صباه، وقبض الصيف، وحزن الخريف، وزمهرير الشتاء، وكلما مشى
خطوة إلى الأمام يتذكّر شيئا ويعود إلى الوراء ليتحدث عن النجوم التي فتح عينيه عليها،
وهو يضع في مخيلته وذهنه أنها تعرفه كما يعرفها ، والعشب الأخضر الذي يموج ويهتر
ويطن ويهمهم، فهو مستغرب من الجماعة التي سماها بالمخلوقات الصغيرة المجنّحة،
بالإضافة إلى عطر البنفسج، وجماعة الكواكب، والكنيسة القديمة التي سماها بكنيسة
طفولته.
. الشخصيّات:
فريدريج مكس مولر الشخصية الرئيسية في الرواية.
1 - .21 ،53 ،32 ،31 ، الرواية: ص 31
الفضاء: مفتوح فهو يذكر كلّ ما هو في الطبيعة والخارج وأحيانا يكون الفضاء مغلق،
وذلك عندما يحصر نفسه مع ذكرياته )فضاء نفسي(.
المكان: أما المكان فق جسده في ذكرياته الجميلة ومميزاتها، في البداية حصرها في
فكره، وجسدها في مخيلته وذلك بحجم درجة الاشتياق الذي شعر به، ثم ذهب ليتحدث عن
الفضاء المفتوح بوصفه للطبيعة بما فيها من عشب أخضر وعطر البنفسج والنجوم اللاّمعة
( 1 .)
4 2 في الذكرى الثّانية: - -
عندما كان فريدريج مكس مولر في سنّ السادسة أتيحت له الفرصة بالذهاب إلى
الكنيسة رفقة والده، والتع رف على الأمير والاميرة والثناء الكبير الذي لقيه منهما إضافة
إحسانهما وعطفهما على الفقراء، والعدل والانصاف اللّذان يطبّقانه على وجه الأرض في
معاقبة الأشرار ، فكانت الكنيسة المقر الوحيد للأمير والأميرة. وعندما وصل صعد السّلم
وقلبه يدقّ بسرعة، فجأة فتحت الأبواب، و اذا بمرأة طويلة القامة تمدّ يدها إلى يده، وهي
تحمل ابتسامة محجوبة تلعب حول تعزها بلطف وقلبي يقفز فرحا إلى شفتيّ، حيث أتيحت له
فرصة عناقها وتقبيلها، و اذا بأبيه يمسك بيديه ويدفعه، فحقبت الحيرة تقتله بسبب ذلك، فكانت
نظرة أبي لهم بأنّهم غرباء، ولا يجوز محبّتهم والتعامل معهم بهذه الطريقة) 2 .)
الشخصيات:
1 - .13 ،13 ، الرواية: ص 11
2 - .11 ،12 ،12 ، المصدر نفسه: ص 12
- فريدريج مكس مولر
- والده
- الأم
- الأمير والأميرة.
الفضاء: مغلق ويتمثل في الكنيسة والبيت الذي يقطن فيه.
المكان: الكنيسة والبيت.
4 3 في ال ذ كرى الثّالثة: - -
فغيوم الحزن لهم تبقى طويلا، فعدت إلى القصر و أ عطتني الأميرة يدّها، وأتيح لي
تقبيلها، حيث جاءته بأولادها الأماراء والأميرات وتقاسما الألعاب، وتشاركا الملاهي وكأنّه
كان يعرفهم منذ سنوات خلت، حيث كان يخرج من المدرسة ليتوجّه مباشرة إلى القصر
بالاجتماع برفاقه، والتّلذذ برؤية الصور الجميلة التي كان والده يقلبها عند أصحاب المكاتب
والدمى واللّعيبات التي كانت ترتبها والدته وراء زجاج الحواتين، فجاء اليوم الذي أتيحت له
الفرصة ليلتقي بها دون أيّ كلفة يدفعها ليتحصل عليها) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر )شخصية رئيسية(.
- الوالدة.
1 - .13 ،11 ،11 ، الرواية: ص 11
- الأب.
- الأميرة.
- أولادها الأمراء والأميرات.
- الأخ الأكبر.
- الأختان الأميرتان.
- الأمير الصغير.
المكان: القصر، المدرسة.
الفضاء: تارة يكون الفضاء مغلقا؛ أي كل الأحداث تدور داخل القصر، وتارة يكون
الفضاء مفتوحا، كالتقائه بامرأة في الطريق، وعندما ذهابه لشراء التفاح.
4 4 في الذ كرى ال ا ربعة : - -
يقول فيها مكس مولر أنّ العمر مرت منه أعواما كثيرة ولم يحفظ سوى كتب الذكرىات،
حيث قطع مراحل متعددة، ووجد نفسه يتقدم في السن، ويتذكر نفسه عندما كان يلهو في
الحديقة، إذ بدر في ذهنه تلك التغارات التي طرءت خلال فترة اغترابه عن وطنه ليعود إلى
بلدته فرحا التي وجد فيها كل شيء قد تغير وأنّ الحياة الآن شديدة الاختلاف عمّا صورته
له مخيّلته في صغره، ويعود إلى وطنه وفي قلبه نبرة اشتياق إلى كل ما تركه من خلفه بعد
رحيله، يمشي خطوة ويسمع ساعة البرج، ويمشي خطوة أخ رى ويرى كلبا هرما، وهو الكلب
الذي طالما لعب معه في الماضي، وي زيد أخرى ويرى بائع التفاح، ومعلّم الموسيقى إلى غير
ذلك من الأشياء التي سماها بهيكل التذكار) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الكونتس ماري.
- الفتاة الحسناء.
- الحارس-.
المكان: الحدائق، البلدة، الغرفة.
الفضاءات: في البداية كان الفضاء مفتوحا حيث تكلّم عن البلدة وما يحيط بها من
الخارج والحدائق وما تحمله من جمالية، وفي الشّطر الثاني كان الفضاء مغلقا وتجلى ذلك
في حديثه عن الغرفة، ودخوله إليها.
4 5 في الذكرى الذكرى الخامسة: - -
يعود إلى البيت حاءيرا حتى التعبير عن أفكاره وعواطفه تعذّر عن وصفها، حيث
أصبحت أفكا بلا ألفاظ، لم يشعر بفرح ولا بحزن، ولا بلا دهشة فائقة، إنّها تلك الفتاة
اللطيفة والذكية التي استولت على عقله، فبدأ يتصوّر نفسه بين سوافح عبرت لباب خاطره،
هي تلك الفتاة التي كان يبحث عنها، وفكر فيها، فبدأ يجتمع معها كلّ مساء، فشعر بمتانة
1 - .32 ،31 ،12 ، الرواية: ص 13
صداقتهم ورسوخها، وبعد مرور الوقت أدرك أنّ روحه لم تكن فارغة، فجرى ذلك الحوار
بينهما) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الفتاة التي كان يحبّها.
- المصوّر الإيطالي.
المكان: البيت.
الفضاء: مغلق.
4 6 في الذّكرى السّادسة: - -
طرق بابي واذا بطبيب البلدة الذّ ي كان صديق كلّ واحد منهم، والذي كان السّبب في
دخول الأطفال على يدّه إلى عالم الأبوة والأمومة، ولكن رغم ذلك مازال يعاملهم معاملة
الأب لأبنائه، مرّ وقت طويل فالتقى بصديقه الطبيب ذو العينين الزرقاوين والشّعر الأبيض
الكثيف، وعصاه الذهبية التي كان يحملها، واذا به يدخل إلى غرفته ويسأل عن أحواله،
ويحدثه عن الكونتس ماري، حيث اندهش مكس مولر ويقول كيف يهتدي غريب إلى إسرار
1 - .31 ،31 ،32 ،32 ،33 ، الرواية: ص 31
نفسي قبل أن أكون على علم تام بها، فأحس بتدفق قلبه وجيشانه وهو يسأل نفسه كيف لا
يرى صديقته التي يحبّها) 1 .)
الشّخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الطبيب.
- الكونتس ماري.
. الفضاء: مغلقة.
المكان: الغرفة.
4 7 ال ذ كرى السّابعة: - -
بنى فيها مولر اشتياقه على مجموعة من الذكريات والتصوّرات وما زالت في ذاكرته تلك
الجبال الشاهقة، والأودية العميقة والوهاد الغائرة، والشّلالات المتدفقة فهي تحتل ذاكراته
وتلهف شعوره وتوقظ حنينه واشتياقه إليها، والشيء الذي يشعره بالحزن هو خيال الشّفقة
الذي يراه في أعين الناس بأنّه غريب عن ذلك البلد، فالشعور بالخوف كان هاجسا يتملّك
نفسه، فالصّوت الحقيقي هو الوحدة والهجرن والاغتراب) 2 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر )جرى بينه وبين السيّدة الانجليزية حوار طويل(.
- السيّدة الانجليزية.
1 - .35 ،33 ،33 ، الرواية: ص 31
2 - .51 ،51 ،51 ،32 ، المصدر نفسه: ص 32
- البواب.
- الطّبيب.
المكان: الجبال، الأدغال، الفندق.
الفضاء: تارة يكون الفضاء مفتوحا، وذلك عندما يتحدث عن الجبال والشلالات
والأودية وما تحمله من أسرار وجمالية، وتارة يكون الفضاء مغلقا، وذلك عندما وجد نفسه في
إحدى الفنادق
4 8 في ال ذ كرى االثّامنة: - -
في هذا الفصل يمدح الكاتب حبيبته التي سماها بفتاة الجبال، حيث أبدع في
تصويرها، وذلك حين شبه جمالها بالربيع الذي سكب على وجهها بهاء، بتلك الفتاة التي
يبعث جمالها في الأرض نورا سماويّا، فهو الآن يودعها بمجموعة من الكلمات الجميلة،
ومتألّم لف ا رقها؛ حيث سماها بفتاة الجبال الحلوة) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- فتاة الجبال.
الفضاء: مفتوح.
الجبال )الطبيعة(. -
1 - .21 ،52 ،52 ، الرواية: ص 53
4 9 في الذّكرى التاسعة: - -
يقرّ مولر فيها بأننا أنّنا نرضخ للنّظام البديع النافذ في جميع الكائنات، فنسعد عند
الرّقاد بحلّ الرّوابط التي تقيّد ذاتنا الابدية الخالدة بذاتنا الأرضية الزائلة، فما زال حبّ فتاة
الجبال يسيطر على قلبه، والكاتب مستغرب ويسأل نفسه ويقول: لماذا نسعى إلى تفهّم نفوس
الآخرين ونفوسنا مغلقة على بحثنا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي جالت جولة كبيرة في
فكره، فهو الآن يسرد مأساته ومعاناته من حبّه لتلك الفتاة، فهو قد ضحى بسعادته من أجلها
عندما كانت على فراش الموت، لأنّ حبّه لها أقوى من حبّه لنفسه) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الطبيب )الشّيخ(.
المكان: البلدة.
الفضاء: تارة يكون مفتوحا وذلك عندما يتكلّم عن الجبال، وتارة أخرى يكون مغلقا
عندما كان واقفا أمام نافذة غرفة المستشفى.
5 _دراسة العنوان العنوان:
1 - .22 ،22 ،22 ،23 ،21 ، الرواية: ص 21
5 1 العنوان من الذكرى الأولى للثالثة: الأسرار واللحظات التي عاشها مكس مولر - -
أثناء مرحلة طفولته وتسجيلها في مجموعة ذكريات.
سرد لنا مكس مولر كلّ ما يتعلّق بمرحلة طفولته التي اشتاق إليها، وذلك بما تحمله
من أسرار ومميّزات، والتي مرّت كسرعة البرق دون أن يحسّ بذلك، مشبها إياها بغابة
مسحورة. وكانت طفولته مليئة بالدّهشة والسّعادة والطّمأنينة، والراحة النفسية فهو يصوّر لنا
أنّ العالم هو ملك به، ولا توجد فيه بداية ولا نهاية؛ وأنَ الناس يعيشون فيه على صفا
قلوبهم، فهو يتذكّر الكنيسة ذات الصّليب الأحمر التي كانت على مقربة من بيته، والتي
سماها ''بكنيسة طفولتي''، بحيث قام بوصفها بدقّة شديدة مبينا ما تحويه من حرائر قرمزية،
وأشجار اللّيمون المنتصبة بين ساحتها ورائحتها التي تنعش أنفاس كلّ مار عليها، والجرس
الموسيقي الذي يتردّد صداه من أعالي قصورها، فعندما كان في سنّ السّادسة يتذكّر كلمة
''الأمير والأميرة'' وكلّ ما يدور داخل الحرم الملكي، والذّي كان يذهب إليه ليشارك الأمراء
في العالم، وكذلك يتعلّم اللّغة الفرنساويّة معهم، وهذه هي مجموعة ذك ريات ومجموعة أسرار
ومميزات عاشها مكس مولر أثناء مرحلة طفولته) 1 .)
2 5 العنوان من الذكرى الرابعة للتاسعة: اختلاف الحياة التي كان يعيشها مكس - -
مولر في صغره والواقع الذي فتح عينيه عليه، واتّساع فكره أثناء كبره، وانقضاء فترة طفولته
عندما كبر أحسّ مكس مولر باختلاف الحياة عما كانت تتصوره مخيّلته من قبل، وبعد
1 - .11 ،11 ،11 ،11 ،11 ،12 ،12 ،12 ،13 ،13 ، الرواية: ص 11
مرور أعوام كثيرة يعود الطالب إلى وطنه، وفي قلبه نبرة اشتياق إلى كلّ ما تركه خلفه أثناء
رحيله، فهنا يقرّ باتّساع فكره، حيث اكتشف بأنّ روحه لم تكن فارغة، بل كفيلة بإخراج
البراعيم والأزهار إلى الوجود والحياة، فهو الآن يتذكّر تلك المرأة التّي كان يحبّها المصوّر
الإيطالي، اللاّهوت الألماني، وكلّ ما يتعلّق بالماضي ودراسته من جديد، وكأ نه لم يعش
يوما في ألمانيا، فهو يتحدث عن صديق البلدة الذي كان صديق كلّ واحد منهم، والذي كان
السّبب في دخول الأطفال على يده إلى عالم الأب وة والأمومة، ولكن رغم ذلك ما زال يعاملهم
معاملة الأبّ لأبنائه، وتلك الجبال الشاهقة والأودية العميقة والوهاد الغائرة والشّلالات
المتدفقة التي احتلت ذاكرته وألهنت شعوره والتي أيقظت شعوره وحنينه واشتياقه إليها) 1 )
3 5 العنوان من الذ كرى الثامنة للتاسعة: المعناة والمأساة التي سيطرت على قلب - -
مكس مولر اتّجاه فتاة الجبال.
مدح مولر في هذا الجزء حبيبته التي سمّاها بفتاة الجبال، إذ أبدع في تصوّرها، فهو
الآن يودعها بمجموعة من الكلمات الجميلة متألّم لفراقها، مقرا بحبّها الذي سيطر على قلبه،
فهو يسرد لنا مأساته ومعاناته من حبّه لتلك الفتاة التي ضحّى بسعادته من أجلها وهي في
فراش الموت، حيث شبّهها بالصّخور الرمادية، وتلك الأشجار الشّبيهة بالشعر الأصفر
1 - - .51 الرواية: 13
والشّلال المنهمر والطّريق المؤدة إلى مسكنها جميعها تطال مرسومة بخطوط الأحلام، فلم
يترك شيئا جميل لم يشبّهه بها) 1 .)
6 الحوا رية و الأسلبة: -
1 6 الحوارية: مصطلح جاء به الناقد الروسي ''ميخائيل باختين'' الذي أ رى بأنه كان - -
والحوارية التي تعني كلّ تواصل « ، وسيلة ناجعة لإعطاء نفس جديدة للبنيوية في حد ذاتها
لفظي يجري على شكل تبادل للأقوال أو على شكل حوار، فالحوارية هي العلاقة بين خطاب
(» الآخر، وخطاب الأنا 2 (؛ حيث أنّها تقوم على التواصل بين شخصين وتبادل آرائهم، وكان
الهدف من ذلك توصيل الفكرة بين الأنا والآخر، كما تدل الحوارية على تداخل خطابات
الغيرية من ملفوظ المتكلم؛ أي أنّ الحوارية هي تفاعل قائم في الملفوظ أو القول بين عوني
التلفظ ومن يتكلم ومن يوجه إليه الكلام.
دائما ذو صيغة حوار داخلي، هذا ما نجده في « و الخطاب الثنائي الصوتي هو
الخطابات الهزلية والساخرة، والبارودية، وفي هذا الخطاب التكسيري وللشخوص، وأخي ا ر في
خطاب الأجناس التعبيرية المتخللة: فهي جميعها خطابات ثنائية الصوت، ذات صيغة
حوارية داخليا، فيها جميعها توجد نبرة حوار كأن من غير منتشر، مركز على نفسه، هو
1 - - .22 الروايه: ص 53
2 صالح مفقودة: أبحاث في الرواية العربية، مجلة أبحاث في الرواية العربية، مخبر أبحاث في اللغة والأدب الج ا زئري، -
. جامعة محّد خيضر بسكرة، ص 121
(» حوار صوتين، ومفهومين للعالم وحوار لغتين 1 (، ومنه فإنّ الخطابات النصية الصوتية
ثنائية تكون على شكل حوار داخلي، كالخطابات الهزلية والساخرة البارودية، حيث يولد
الخطاب داخل الحوار مرك ا ز على نفسه، ويتكوّن داخل فعل حواري متبادل بين لغتين
وصوتين.
اللغات والملفوظات والعلامات، والروائي هو منظّم علائق « اولرواية جسم مركّب من
حوارية متبادلة بين اللغات والأجناس التعبيريّة بين لغة الماضي ولغة الحاضر
(» والمستقبل 2 (؛ حيث تعتبر الرواية مجموعة من الأفكار والملفوظات والعلامات، المختلفة
والمتنوعة ، والروائي منبع للمعرفة ومحاور لثقافته ولمجتمعه، وتكون الحوارية هنا هي امتداد
بين لغة الماضي و لغة الحاضر.
الخطاب الروائي، لأن الرواية تقوم على تعددية الأصوات « وتظهر الحوارية أكثر في
وتعددية اللغات بسبب التنوع الكبير في الشخصيات، إنّ الرواية تجمع الخطابات المختلفة،
(» وتضعها في علاقة مواجهة وتجعلها تتعايش وتتحاور، وتتعامل مع بعضها البعض 3 (؛ أي
أنّ الحوارية تظهر في الرواية كونها تقوم على تعددية اللغات، وفيها نجد الخطابات المختلفة
التي يتشكّل منها التحا ور والتعامل ، أي الحوار الذي الذي ينشأ بين الأصوات المختلفة.
1 1222 ، ص، - ، ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ت: محمّد ب ا ردة، دار الفكر للد ا رسات والنشر، القاهرة، باريس، ط 1
.12
2 - . المرجع نفسه: ص 11
3 إيمان ملكي: الحوارية في الرواية الج ا زئرية، مخطوط، إش ا رف الأستاذ الدكتور عبد الله العشي، قسم اللغة والأدب -
.11 ، 1111 ، ص، 11 ، العربي، جامعة العقيد الحاج لخضر باتنة، 1111
نظرية اللغة الحوارية، وما يقول به متوقع منذ أن أ رى « أنشأ باختين نظرية الرواية على
(» في الرواية صورة عن اللغة و أ ري في اللغة صورة حوار لا ينقطع 1 (؛ إذ في نظره الرواية
قائمة على نظريّ اللغة الحوارية التي تعتمد على الأسل وب الحواري بين الشخصيات
الموجودة في الرواية، وحسب باختين فإنَ الرواية صورة اللّغة وبطبيعة الحال تكون اللغة
صورة حوار لا ينقطع. في الرواية تكون هناك صفات الحوار وتكون تجسيدا له، وأنّ تط ور
الرواية يقوم على تعميق الحوارية.
يشكّل التهجين أحد مظاهر حوارية باختين، حيث يعمل على تحديد أساليب حضور
التهجين هو مزج بين لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ « ملفوظات سابقة في ملفوظ لاحق، و
واحد، والتقاء وعيين مفصولين داخل ساحة ذلك الملفوظ، ويلزم أن يكون التهجين
(» قصديا 2 (؛ إذ يقوم على المزج بين مجموعة من اللغات المختلفة تتعايش فيما بينها ضمن
إطار لهجة فريدة، و يجب أن يتحقّق ذلك وفق جملة من الاستدعاءات الواعية عبر انتخاب
خطابات أو تراكيب معينة قصدية.
وهكذا فإنّ الحوارية هي تفاعل قائم بين اللفظ والقول، ويتحقق مبدأ الحوارية من خلال
تحاور الأصوات داخل الرواية، حيث أنّ الرواية الحوارية هي تعبير عن مجموعة أفكار
الشخصيات التي تحقق صراعا إيديولوجيا عميقا.
1 - . إيمان ملكي: الحوارية في الرواية الجزائرية، ص 11
2 - . ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص 12
وعي لساني معاصر بأسلبة مادة لغوية ""أجنبية" يتحدث من - - « 2 6 الأسلبة: هي قيام
خلالها عن موضوعه، فاللغة المعاصرة تلقي ضوءا خالصا على اللغة موضوع الأسلبة،
( » فتستخلص منها بعض العناصر وتترك البعض الآخر في الظل 1 (؛ ومنه تكون الأسلبة في
الخطاب الروائي قد استعملت للدلالة على الطريقة في تقديم موضوع ما بخطوطه العريضة
وذلك بشكل إيحائي يبتعد عن التفاصيل مع الاكتفاء ببعض الملامح المكونة لبنية النص.
رفع القدرات الجمالية من خلال الإفصاح عن الأبعاد البلاغية المتحققة « والأسلبة تسهم في
على المستوى التصميمي لتلك الموجودات نتيجة عملية الاختزال والإضافة التي تنتجها، ومن
(» ثم نستخلص أنّ التغيّير وعدم اثبات المعنى سمة من سمات الأسلبة 2 (؛ حيث أنّ عملية
الاختزال والتكثيف في الأسلبة تتوافق مع الاستعارة والكناية وأغلب أصناف البلاغة الأخرى،
و الحذف يعطي للمؤسلب القوّة ويجعله قاد ا ر على الإيجاز وتقديم الكثير من المعاني بالقليل
من التفاصيل.
1 - . ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص 12
2 علاء عبد المجيد جاسم: الأسلبة والمتغيّرات اللبنائية في الفيلم السيميائي المجلّة الاردنيّة، للفنون، جامعة اليرموك، -
. 1112 ، ص: 21 ، الأردن، مج 11 ، ع 1
» تشخيص وانعكاس أدبيّين للأسلوب اللساني لدى الآخرين « إنّ كلّ أسلبة حقيقيّة هي
( 1 (؛ ومنه تكون الأسلبة الحقيقيّة التّي تتميز عن الأسلوب المباشر بذلك الحضور للوعي
اللساني عند المؤسلب المعاصر وعند قارئ ه الذي يعيد خلق الأسلوب المؤسلب.
اولأسلبة في إطار بنائي يجب أن ينظر إليها كآلية لتوليد صيغ بصرية أو فكرية جديدة
تح رك المخيّلة التي تبحث عن الجديد وتتوافق مع حركية الأفكار الساعية نحو غايتها.
من خلال تلك اللغة التّي سيؤسلبها والتي هي « ولا يتحدث المؤسلب عن موضوعه إلاّ
''أجنبية'' بالنسبة إليه، لكن هذه اللغة الأخيرة هي نفسها مقدّمة على ضوء الوعي اللّساني
(» المعاصر للمؤسلب 2 (؛ أي انّ المؤسلب لا يتحدث عن موضوعه إلا بعد أن يدخل على
المادة الأوليّة للغة موضوع الأسلبة التي هي مادته الأجنبية المعاصرة من كلمة، جملة أو
وهذه الأسلبة البارودية – « ، صيغة، وتكون هذه اللغة مقدّمة على الوعي اللّساني للمؤسلب
عادة للغة الخاصة بالأجناس التعبيرية، وبالمهن وبطبقات أخرى من اللغة تكون أحيانا -
مفصولة بخطاب مباشر من الكاتب )يكون بصفة عامة، مؤثّرا عاطفيا، أو غزليا، فيرجع فيه
(» مباشرة )بدون انكسار( رؤيته للعالم وأحكامه ال قمة 3 (؛ وهذه الأسلبة المسماة بالبارودية نوع
أساسي تقوم على عدم ت وافق نوايا اللغة المشخّصة مع مقاصد اللغة المشخّ صة، ويشترط في
1 - . ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص 111
2 - . المرجع نفسه: ص 111
3 - . المرجع نفسه: ص 51
الأسلبة البارودية ألا يكون تحطيم الآخرين بسيطا وسطحيا، وعليها أن تعيد خلق لغة
البارودية وكشف العالم الفريد وارتباطه الوثيق باللّغة وأحكامها.
إنّ الأسلبة تقوم على تقليد الأساليب أو الجمع بين لغة مباشرة من خلال لغة ضمنية
في ملفوظ واحد أو الجمع بين أسلوبين أسلوب معاصر وأسلوب تراثي داخل ملفوظ كلامي
واحد.
3 6 الشعور بالاغتراب: هو شعور كان يمتلك مكس مولر في فرنسا، حيث عاش - -
حالة الاكتئاب من جوانب مختلفة رغم احتمائه بأحضان الطبيعة، لكن بقيت الكآبة ترافقه
أثناء رحلته، فهو عندما يمرّ على شيء ما ينظر إليه نظرة سطحية، لأنَ الشعور بالخوف
كان هاجسا يتملّك نفسه كونه يعيش في بلد غريب عنه من حيث العادات والتقاليد واختلاف
اللغة. لقد استيقظ ووجد نفسه في فرنسا بين أناس لا يعرفهم، والشيء الذي يشعره بالحزن هو
خيال الشّفقة الذي يراه في أعينهم، فالموت الحقيقي بالنسبة له هو التجاهل والوحدة والهجران
والاغتراب إلى بلد آخر، حيث عاش فيها غريبا عن كل ما يتعلق بها، وتائها لا يعرف من
أين الدخول أو الخروج، فهو مطلقا لم يشعر بالدفيء في أحضان ذلك البلد، ولقد تبنّى
ما زلت أذكر أوّل مرّة رأيت « : اشتياقه إلى بلده على مجموعة ذكريّات بدءا من طفولته، مثل
(» النجوم وكانت النجوم تعرفني منذ زمن طويل 1 للطفولة أسرار ومميّزات، « : (، وقال أيضا
(» ولكن من ذا الذّي يستطيع وصفها 2 .)
وهذا ما علّق « : وكانت في ذاكرته صورة أمّه وأبيه اللّذان اشتاق إليهما، مثل قوله
( » بذهني من تذكارات طفولتي يتخلّلها وجه أمّي الحنونة وعينا أبي العميقتان 3 (، حيث اعتاد
مشاهدتهما كلّ يوم، وكلّما أ رى غريبا ينادي باسمه أمّه وأبيه وأصدقائه، وذلك من شدّة
أرى ملامح الوجوه التّي اعتدت مشاهدتها وأنادي أصحاب هذه « الاشتياق والحرقة إليهم، مثل
(»... الوجوه بأسمائهم: أمّي، أبي، إخوتي، أصدقائي والمعلّمون وبعض الغرباء 4 .)
1 - . الرواية: ص 11
2 - . المصدر نفسه: ص 13
3 - . المصدر نفسه: ص 13
4 - . المصدر نفسه: ص 15
مرحلة قبل الاغتراب
مرحلة الاغتراب
مرحلة ما بعد الاغتراب
مكس مولر ألماني
المولد إنجليزي
الموطن، امتاز في
صغره بالذكاء وسرعة
الخاطر، وقوّة الخيال
حتى كاد نثره يكون
شعرا لما فيه من
الصور الخيالية، وكان
بيت أبيه ناديا لرجال
الأدب، ثمّ مال إلى
د راسة اللغة الشرفية
وبرع في اللغة
السنسكريتية والفارسية
وترجم الهيتوبادسا.
مكس مولر انسان مغترب يحاول اثبات ذاته بنفسه،
فهو يصوّر طريقة الاكتئاب التّي عانى منها في
حياته ورغم احتمائه بأحضان الطبيعة غير أن الكآبة
لم تفارقه الكآبة، فهو عندما يمرّ على شيء ينظر
إليه نظرة سطحية، لا يتعمق فيه، وعندما استيقظ
وجد نفسه في فرنسا، حيث أرغم على طرح أسئلة
عديدة على نفسه من بينها: من أنا؟ وكيف سأثبت
ذاتي فيها؟ وكان يعيش في فرنسا حالة الغريب،
والشيء الذي كان يشعره بالحزن هناك هو خيال
الشّفقة الذي كان يراه في أعين الناس باعتباره غريب
عن ذلك البلد، اولشعور بالخوف كان هاجسا يتملك
نفسه. وقد بنّى اشتياقه إلى وطنه على مجموعة من
الذكريات التي كانت تنتصب أمام عينيه، فالإحساس
بصعوبة العيش في بلد غير فكان بالنسبة صعب
جدا، فكان كلّما مرّ في الشّارع ينظر إلى الناس إن
كانوا هم أيضا من الغرباء، وكلّما دخل إلى مقهى أو
فندق يحسّ أنّهم ينظرون إليه نظرة الغريب باعتباره
إنسان مهمّش بالنّسبة لهم.
وبعد مرور أعوام من الغربة
والهجرة يعود الطالب إلى وطنه
بعد غياب طويل، وفي قلبه
حرقة الاشتياق، فتحضر في
نفسه خواطر بحر تحمل
الأمواج المت رفعة نحو شاطئ
الأيام القصية، فيرى ساعة
البرج والكلب الذي طالما لعب
معه في الماضي وها هو الآن
قد كبر وشاخ، وهناك منزل
قديم حيث شيّد غيره في مكانه،
ومنزل معلّم الموسيقى وفتاة
الجيران الجميلة التّي كانوا
يتناول ون أخبارها والقصر القديم
والكنس ماري وطبيب البلدة
الذّي دخل عليه بشعره الأبيض
الكثيف وعصاه الذهبية، فوجد
كلّ شيء قد تغيّر لم يبق على
العهد الذي تركه) 1 .)
1 - .31 ،11 ، الرواية: ص 11
4 6 العنف: أثناء مدّة اغترابه لم يتع رض مكس مولر لأيّ عنف جسدي أو لفظي - -
رغم بعده عن وطنه، والعيش في بلد غريب عنه، فلم تكن نظرة الأشخاص إليه نظرة غريبة
على أنه مهمّش كما كان يظن ، فقد أحسّ بأنه غريبا إلى أبعد الحدود يعيش في فرنسا
باعتبارها المركز وهو الهامش، فالعنف الذّي تعرّض له مكس مولر هو نفسي خلقه بذاته
يوم يتلاشى لمعان العين الطاهرة « :، من خلال تخيّله بأنّ الناس ينظرون إليه نظرة الغريب
فتحلّ محلّه خيالات التعب والريب، ينظر الإنسان إلى أخيه نظرة الغريب إلى الغريب،
ويتحاشى الدنو منه في الشارع المزدحم يمر غير مسلم خوفا أن لا ترد لق التحية فتتوجع
(»... روحه 1 (، فهو دائما تائه لا يعرف من أين الدخول أو الخروج، حيث توهم قد بأنّ كلّ
دخلت ذات مساء إحدى الفنادق « شخص كان يراه يعتبره إنسانا غريبا لا مكان ولا هوية له
تعب النّفس والجسد وجلست بين الحضور، فت وجّهت أنظارهم إليّ و رأيت فيها خيال الشّفقة
(» على هذا الغريب التائه في ديارهم 2 (. لقد أرهق مكس مولر نفسه وجسده بتلك الأوهام
والتصوّ رات التّي والتي هي من صنع خياله لا غير.
5 6 اللّغة: من المعروف أنّ كلّ شخص يهاجر إلى بلد آخر يجد صعوبات كثيرة -
منها الجانب اللّغوي ، وطريقة عيش مجتمعه وكيفية التأقلم معه، ولما كان مكس مولر ألماني
الجنسية ، المجتمع الفرنسي غريب عنه في نمط العيش والعادات والتقاليد واللغة، لكنه كان
دائما يحاول إثبات ذاته وشخصيته إذ لم يستسلم أو يرضخ لأيّ عائق رغم ابتعاده عن
1 - . الرواية: ص 12
2 - . المصدر نفسه: ص 75
وطنه واشتياقه له، فمن الصّعب أن يعيش مع أناس مختلفون عنه في كل شيء، ولكن
كنت « بالرغم من ذلك بدأ في محاولة تعلم اللغة الفرنسية لكي يندمج في مجتمعه الجديد
(» أذهب كلّ يوم لأشارك الأمراء في ألعابهم، وأتعلّم معهم الفرنساوية 1 (؛ حيث أنّه لم يفقد
الأمل وبقي يتعلّم اللّغة الفرنسيّة وذلك من أجل إثبات ذاته وشخصيته نظرا لإحساسه بالعزلة
والوحدة في خارج وطنه.
6 الإحساس )الشعور(: الشّعور بالخوف والحزن كان دائما يتملّك نفسه في - - 6
فرنسا، حيث عاش حالة الاكتئاب والوحدة في بلد لا ينتمي إليه، واستيقظ ووجد نفسه بين
أناس لا يعرفهم، فالموت الحقيقي بالنّسبة له هو التجاهل والوحدة، وفي وطن ليس بوطنك
تحسّ فيه أنّك غريب وسط من هم حولك، فتشعر بأنّك إنسان ناقص بينهم، فمكس مولر في
البداية تحدث عن صباه ومشاهدته لأول مرة النجوم التي أحسّ أنّها هي الأخرى تعرفه، وفي
على أنّي ما زلت أذكر أولى مرّة أ ريت فيها النجوم، « ، نفس الوقت كان يشعر بالخوف
وكانت النجوم تعرفني منذ زمن طويل، كنت في ذلك المساء على ركبتي والدتي، ورغم ذلك
(»... سرى البرد في جسدي واستولي عليّ الخوف 2 .)
وبعد اغترابه وانتقاله إلى فرنسا ها هو يمشي والخوف يمشي من وراءه، فهو دائما كان
يحسّ بأنّ الغريب إنسان مهمّش بالنّسبة لغيره، وكان يشعر دائما بالتعب والرّيب، ويتخيّل
ينظر الإنسان إلى أخيه نظرة الغريب إلى الغريب... ويمرّ غير مسلم خوفا « شفقة الناس له
1 - . الرواية: ص 1
2 - . المصدر نفسه: ص 13
( » ألا تردّ التحيّة فتتوجّع روحه 1 (؛ فدائما ما كان يدوي في ذاكرته صوت مجهول بأنّ هؤلاء
الغرباء هم أقرب أصدقائنا وأحبّهم عندنا.
إنّ ذلك يشعر « : لقد بنى في مخيّلته مجموعة من الأوهام، والدّليل من ذلك عندما قال
بأنّ الغريب أدنى إلى الغريب من الأخ إلى أخيه ومن الأب إلى أبيه ومن الصديق إلى
( » صديقه 2 (. وعقدة مكس مولر كانت تلاحقه دائما ، حيث ذات مرّة دخل أحد الفنادق
أجلس بين الحضور فتوجّهت انظارهم إليّ، و رأيت « : وبدأت حركات مخيّلته تشتغل، وقال
فيها أخيال الشّفقة... فأمضتني جراح قلبي ومضيت أسعى تحت جنح الظّلام، حيث لا عين
(» ترى ولا شفيق يشفق 3 (، فالاغتراب اولابتعاد عن الوطن جعل منه إنسانا معقّدا يعيش في
مجموعة الأوهام اولتصوّرات بأنّ الناس ينظرون إليه نظرة الغريب، كما أن عاطفة الخوف
تتملّكه وتسيطر عليه وعلى أعصابه، حيث يتقيّظ بصره ويرهف سمعه ويطلّ إلى درجة تخيّل
(» لا شكّ أنّ الخوف كان أول عذاب الإنسان « الأشباح رغم أنّها بعيدة مبهمة 4 ( وفي بعض
الأحيان يكون تارة فرحا وتارة أخرى حزينا.
7 6 الحوار: تعدّد وكثر في هذه الرواية، حوار الأنا وحوار الآخر، مثل الحوار الذّي - -
جرى بين مكس مولر والكنتس ماري الذي كانت فيه نقاشات وأفكار بلا ألفاظ جرت بينهما
عزفها مكس مولر لنفسه في السّاعات الخطيرة، فكلّ واحد يريد إثبات ذاته ونفسه
وشخصيته.
1 - . الرواية: ص 12
2 - . المصدر نفسه: ص 11
3 - . المصدر نفسه: ص 32
4 - . المصدر نفسه: ص 32
أ حوار الأنا: لقد جرى حوار بين مكس مولر ونفسه عجز فيه عن التّعبير عن أفكاره -
وعواطفه، أفكار بلا ألفاظ قام بعزفها لنفسه في السّاعات الأخيرة لم يشعر فيها لابفرح ولا
بحزن، بلا دهشة فائقة هواجس وتصوّرات شك لها في مخيّلته، حاور نفسه، لم يترك شيئا في
لم يتصوّره، عواطفه، وأفكاره، أحلامه، بدأ شغفه يطفق ويتخيّل السّاعات الهنيئة التّي
سيقضيها مع تلك الفتاة التي سماها باللّطيفة والذكيّة، ويعود ويتوقّف ليقول أنّ هذه الأفكار
لم تكن سوى من صنع خياله عبرت لباب خاطره، هو يحا ور نفسه ويتخيّل جميع الأوقات
(» إنّها مجرّد أحلام وتوهّمات فكرت وأمّنت بها « : التي سيقضيها معها ليعود ويقول 1 .)
ب حوار الآخر: لم تجر الكنتس ماري أيّ حوار مع نفسها، بل كانت جلّ نقاشاتها -
مباشرة مع مكس مولر، حيث مرّ وقت طويل على لقائهما إذ كان يلتقيّان كلّ مساء، فزاد
ذلك من متانة صداقتهما ورسوخها وكأنّهما لم يفترقا أبدا منذ الطفولة، فكان مكس مولر
دائما يتحاور معها، حيث انقلبت أحاديثهما إلى جدّية هادئة تملئها الرصانة والجلال، فهي
لم تحاور نفسها بنفسها، كما فعل مكس مولر ، بل كانت انسانة ذكيّة واجهته مباشرة،
وحاورته بدون تخيّلات وتوهّمات كما حصل معه هو ، إذ لم ي واجها مباشرة، بل بدأ يتخيّل
(» أنّها مجرّد أحلام آمنت بها « ويتوهّم أشياء ستحصل معها 2 .)
ت حوار الأنا وحوار الآخر: جرى حوار طويل بين مكس مولر وتلك الفتاة التّي بقيت -
سوائحها تعبر لباب حاضره ممّا جعله يتخيّل جميع الأوقات التّي سيقضيها معها بعد فراقهما
1 - . الرواية: ص 31
2 - . المصدر نفسه: ص 31
الطّويل ، فكلّ منهما عاش مرحلة صعبة مليئة بالحزن، اولفراق اولاشتياق اولألم، فلم تضنّ
الكنتس انّها ستلتقي به مجددا، إذ ضنّت أنّ الموت قريب منها، وذلك عندما قام بتوديعها
ظننت الموت قريبا عندما أعصيتك الخاتم ولم اتوقّع ان أعيش هذه السنوات، ولكن « ذات مرّة
(» عشتها وتمتّعت بالجمال كثيرا، كذلك تألّمت شديدا 1 (، وأصبح الحوار بينهما طويلا وذلك
عندما أحسست أنّ ساعة الفراق قد قربت، فكلّ دقيقة عندها توازي كنوزا. وكذلك عندما
( » مساء الخير لا تبطئ غدا « : قالت 2 (؛ وكأنّها تقول أنّ الوقت والزّمن يعيش كسرعة البرق،
كأن تعرف شخصا في صغرك وفجأة تمرّ السّنين وتكبران ولا يحسّ بذلك. لقد استمرّ الحوار
والنقاش فعندما دخل عليها ذات مرّة وهي برفقة مصوّر إيطالي كان كلامهما مغمورا
بالاحترام، فزاد تقدير مكس مولر لتلك الفتاة، وذلك لما رآه منها من تعامل لطيف مع ذلك
المصور. وكان جلّ حوارهما عن صورة أصلها تعود لقصر اللوخر المجهولة المؤلف،
وعندما رآها لم ينبهر بها بل انتابته عاطفة هادئة، فأجابته بأنّها تحتاج إلى هذه الصّورة في
المعرض الذّي في غرفتها، وقالت له أنّه صادق في وصفه لصورة الشخص المجهول بريشة
فإن وافقت « مصوّر مجهول، تنوب عن مؤلّف مجهول مقترحة عليه أن تعلّقها بين ألواحها
( » علّقتها بين ألواحي ودعوتها اللاّهوت الألماني 3 (. ولكن الفتاة استقت من هذا الكتاب قوّة
وتعزيّة، فاستمرّ الحوار بينهما وكان كلاهما  يرد إثبات ذاته من خلال إعطاء رأيه عن
المسيحيّة وتعاليمها، فاختلفت آراءهما في كيفيّة تفسيرها إذ كانت الكنتس ماري تعتقد أن
جوهر المسيحية في بساطتها العجيبة أما ومكس مولر فكان يرى أنّ المسيحية لا تقبل تردّدا
1 - .33 ، الرواية: ص. 31
2 - . المصدر نفسه: ص 33
3 - . المصدر نفسه: ص 35
ولا ترضى جدالا، وتضطرنا إلى الامتثال المطلق لأوامرها والتي نسميها إيمانا. ورأي مكس
مولر زاد من تمسّك الفتاة من نظرتها، حيث قاطعته وقالت أنّ الحقيقة تتجلّى بالوحي، وليس
الوحي من يتجلّى بالحقيقة، فأرغمته على الاستسلام وفهم معنى كلمة الإيمان للمرّة الأولى.
ويستمرّ النقاش حول هذا الموضوع وكل واحد منهما يلي برأيه، وفي الأخير لم يكن حديثهما
سوى تفكير واحساس، وكانت كلّ من آراء مكس مولر وتلك الفتاة أجزاء حية موجودة.
8 6 علاقة موضوع المركز بالقضايّا الأخرى : - -
أ قضيّة اللّغة: كان مكس مولر يجد صعوبة كبيرة في التعايش والتعامل مع أشخاص -
لم يكن منهم، فكان دائما يحسّ أنّه غريبا عنهم. وبما أنّه كان ألماني المولد يجيد لغته الأمّ،
فإنه اضطر إلى تعلّم اللّغة الفرنسية، وذلك من أجل العيش والتّأقلم والاختلاط، هذا الكلام:
(» كنت أذهب كلّ يوم أشارك الامراء في ألعابهم وأتعلّم معهم الفرنساوية « 1 (، فكلّ بلد له
طريقة معيّنة في العيش، ولغته الخاصّة به، ولكنّه لم يستسلم وحا ول بكل ما أوتي من د
كبير لتعلّم اللّغة الفرنسية من أجل اثبات ذاته بين الفرنسيّين. لم يرضخ أو يستسلم لأيّ أمر
رغم أنّه ألماني ولا يجيد لغتهم، فكان بالنّسبة له الأمر صعبا أن يعيش بين أناس مختلفون
عنه لغويا، ولكنّه أصر على اثبات ذاته ووجوده في تلك البلاد الغريبة عنه، فاضطر إلى
تعلّم لغتها من أجل سهولة التعامل مع مواطنيها، وتج نب كلّ الصعوبات والعوائق في قضية
اللّغة، و رأى أنّ تعلّم ال لغة الفرنسيّة هو الحلّ الوحيد للاندماج والتعايش والإحساس بأنه ليس
غريبا.
1 - . الرواية: ص 11
ب قضيّة الانتماء: -
اوجه الكاتب صعوبات كثيرة من ناحية الانتماء إلى بلد ليس غريب عنه باعتباره
مهاجرا إليه، لا يعرف شيئا عن تقاليده وأعرافه ولغته، وكانت في ذلك الكآبة رفيقته ذلك
اولشعور بالخوف والحزن كانا هاجسان يتملّكانه دائما، فالموت الحقيقي عنده هو نظرة الناس
إليه بأنّه ليس فردا منهم، ولا ينتمي إليهم، كان ذلك إحساس ملازم له. و كان كلّما تعرّف
على أنّي ذكرت أنّها من « على غريب شعر بتقارب روحه إليه باعتبار تشابه حالته معه
الغرباء الذّين حرمت من المجاهرة بحبّهم، إنّما شعرت بتقارب روحيهما وبتلامسهما بأرقّ ما
(» تتلامس به أرواح البشر 1 (، فهو كان عندما يلتقي بغريب مثله تختفى مرارة قلبه، ويزول
شعوره بالوحدة ولا يحسّ أنّه بعيد عن وطنه، ولكن بعد مرور سويعات قليلة يعود شعور
الاغتراب يتملّك نفسه ويلهف شعوره ويسيطر عليه، ويوتّره ويشعره بالاكتئاب والغربة ، فمن
الصّعب أن يعيش في موطن ليس بموطنه، فلا أحد يحسّ بشعور الآخر، إذ يكون الإنسان
هناك تائها لا يعرف من أين الدخول أو الخروج، فاقدا لدفئ مجتمعه ووطنه يعاني ويلات
الوحدة.
ت شعور ماكس مولر بالاغتراب: -
كان مكس مولر دائما يحسّ بالوحدة والخوف، بحيث كان دائما شعور الاكتئابا يرافقه
أثناء فترة غربته، فعندما استيقظ ووجد نفسه في فرنسا، اضطرّ إلى طرح عديد الأسئلة على
نفسه كونه لم يحسّ يوما بالدفء بها. وكان شعو ره بالتّميّيز والعنصرية يرافقانه دائما،
1 - . الرواية: ص 13
فالاغتراب شعور كان يتملك نفسه الضّائعة في بلد ليست بلده، إن كان يرى نفسه وحيدا شاردا
بين السّائرين دون ان يعيروه له أدنى اهتمام، فتنهض فيه تلك العاطفة المختزنة بداخله
والمنسيّة و التي كلها حنين وشوق لوطنه، واحساس بالتعاسة لف ا رقه ، وكان كلّما رأى أحدا
ظنّ أنّه من الغرباء، فيحسّ بتقارب روحهما وبتلامسهما، فقد تعبت النّفس والجسد من رؤية
الناس إليه على أنّه غريب تائه في ديار ليست بدياره، بالإضافة إلى خيال الشّفقة الذّي
يحس به، فلا شكّ أنّ الخوف كان أول عذاب الإنسان، حيث ظنّ نفسه منسيّا من اللّّ، ومن
الناس، فالشعور بالوحدة والهجران يزيد النّفس اكتئابا فيلجأ خلالها إلى تعزيّة نفسه، وفي
بعض الأحيان يسلي نفسه فتقلبها تارة فرحا وتارة أخرى حزنا، فكان دائما يشعر انّ الناس
ينظرون إليه نظرة غريب ونظرة شفقة، وتميّيز على أنّه لا ينتمي إليهم، ويعتبر عنصرا
مهمّشا لهم، فهذا هو شعوره الذّي يتخيّله ويحسّه في فكره اتّجاه الناس) 1 .)
كان والد مكس مولر أديبا وشاعرا ومغنّيا وكان مولر ذو مخيلة واسعة حيث امتاز في
صغره بالذّكاء وسرعة الخاطر وقوّة الخيّال، الأمر الذي دفع بوالده لبعثه إلى الدّراسة وهو في
حداثة سنه، وذلك بهدف التعلم والانخراط مع المجتمعات الأخرى . وكان له أن درس في كل
من ليسك وبرليذ وباريس، حيث امتاز فيها بالاجتهاد وسرعة التحصيل ومال إلى دراسة
اللّغات الشّرقيّة، وبرع في السنسكريتية والفارسية. وكان أبوه خير سند ومساعد لهه. واللافت
للنظر أن طفولته كانت مليئة بالأسرار كما كان دائما يحاول التّعبير عن ذاته و اثباتها،
1 - .32 ،32 ،13 ، الرواية: ص 11
ويواجه معضلاته بنفسه، فإثبات الذات يعتبر المحور الرّئيسي في حيّاة كلّ انسان باعتباره
فردا قادر على مواجهة عالمه الخارجي خاصة خارج دائرة وطنه الأم. ولكنه على الرغم من
ابتعاده عن ألمانيّا )الوطن الأصلي( إلا أنها لم تهجر فؤاده يوما، إذ بقيت تسكن أعماق قلبه
رغم صغر سنّه آنذاك، فكانت الدّراسة هي السّبب عن الابتعاد عن وطنه) 1 .)
9 6 خلاصة عامة: - -
المرسل: مكس مولر
المرسل إليه: ذاته، فهو يتحدّث مع نفسه ويحاول إثبات ذاته خارج وطنه حيث لا
اللغة لغته، والعادات مختلفة عنه، فكان له أن اضطر إلى طرح جملة من الأسئلة على نفسه
وذلك في قوله: ''أين نحن ومن نحن؟''، فأصبحت ذكريات طفولته تسيطر على فكره ومخيّلته
فمن الصّعب أن تذوق مرارة الاغتراب وأنت صغير. لكن الشّعور بالاتّحاد والتّضامن كان
يملأ قلبه، وكان كلّما تذكّر أنّه انسان غريب يح س بالوحدة، ويجد نفسه في معترك الحيّاة
وحيدا وكئيبا، يلجأ إلى ذكرياته التي كانت ملاذه الوحيد، مستسلما لها بفعل سيطرتها على
فكره. وبقدر ما كانت طفولته مشوّقة بقدر ما كانت صعبة الوصف والتّعليل، إذ أصبح لا
يفرّق بين قيض الصّيف وحزن الخريف وزمهرير الشّتاء، فأصبح قلبه يناجي ذاته ويسأل
نفسه المغتربة التّي تشعر بالألم وهي بعيدة عن موطنها. وكلّ هذه المعاناة جسّدها في
مجموعة ذكريات سكنت روحه حيث كان الوجع يملأ قلبه كلّما تذكر شيئا من الماضي،
ويشعر بذلك الألم العميق ويصرخ مناديا أمه، باعتبارها سنده الوحيد طوال مرحلة طفولته.
1 - - .12 الرواية: ص 15
وكان كلّما مرّ على غريب يتذكّر ملامح الوجوه التّي اعتاد مشاهدتها. وكانت جميع ذكريّات
طفولته تدور حول وجه أمّه الحنون وعينا أبه العميقتان. إن اشتيّاقه وحنينه جعله يتمسّك
بجميع ذكرياته وبماضيه، يتذكر الكنيسة ذات الصّليب التي كانت على مقربة من بيته،
واصفها إياها بالمكان الجميل، كما لم يغب عن عينه تسلقه كلّ مساء أشجار اللّيمون .
وطوال مرحلة الطّفولة التّي كان يعيشها، كان أبوه وأمّه المساعدين الرئيسين والمحفّ زين له،
إذ كان والده بمثابة الصديق له يصطحبه معه إلى القصور التي يزورها، وعمره لم يتجاوز
السادسة، ففرح فرح أهل هذا العصر بهذا اللّقاء معهم، وشرف التّعرّف على الأمير والأميرة
أوولادها والأمراء. لقد واجه مكس مولر هنا نفسه وحدَ ث ذاته وعبّر عن كلّ ما يشعر به من
اشتيّاق لوطنه. وبقدر الخوف الذّي كان يشعر به أبوه اتّجاهه كان هو يحتاط من كلّ غريب
يتعرّف عليه، فبقي ذلك التساؤل يجول في خاطره ''من هم الغرباء الذّين لا يجوز محبّتهم''؟،
فالشّعور بالغربة كان هاجسا يتبعه دائما، حيث تنهض عاطفة منسيّة وتتمشّى في داخله
ذهابا وايّابا، فبقي الأب هو المساعد والمساند الوحيد لابنه، وكان الدّافع أو السّبب الوحيد
للسّفر إلى فرنسا هو الدراسة، وذلك من أجل امتلاك المعرفة ومواجهة صعاب الحياة، وكان
الهاجس الوحيد الذي يراوده في ذكرياته تقبيل يدّ الأميرة ، لكن لم تبق غيوم الحزن طويلا،
حيث أتيحت له فرصة تقبيلها. وكان كلما عاد من المدرسة يلتقي برفقائه، ويقاسمهم
الألعاب مع الامراء والأميرات. وهمه الوحيد من ذلك تعلّم اللّغة الفرنسية.
اجتاز مكس مولر أعواما وانقضت مدّة دراسته عادد إلى وطنه، وهو يحمل في ذاته
إيمانه بالّلّ وحسن ثقته بالبشر، فهو مع مواجهة مع ذاته كان يرى الحيّاة شديدة الاختلاف
عمّا كانت تتصوّره مخيّلته وهو طفل صغير. وكانت الحكمة المتناهية والمبدأ الفلسفي الذّي
موضع راحته وتعزيّته ذلك في قوله: ''لا يقع شيء إلاّ بإذن اللّّ وسماحته''. وبعد غيّابه عن
وطنه يعود وتبقى الموجات المترنحة نحو الأيام القصية تجوب في خاطره بسعة البرج والكلب
وبائع السّلع والمنزل القديم ومعلّم الموسيقى، وابنة الجيران، فبقيت الأفكار بلا ألفاظ يعرفها
الإنسان لنفسه في السّاعات الأخيرة، وأصبحت أفكاره وعواطفه يتعذّر التّعبير عنها، ''إنّها
لفتاة لطيفة ذكيّة الحنان وقادة الذّكاء''، فهو يسأل ذاته، هل هو يحلم ام هو مستيقظ؟، فجرى
حوار كبير بينهما حول علاج المسيح وحقيقة قراءة اللاّهوت الألماني. وبعد مرور تلك الفترة
الطّويلة يطرق بابه ويدخل عليه طبيب البلدة الذّي كان صديق كلّ نفس، وصديق كلّ طفل،
يدخل عليه شيخا بعد غيّاب طويل، فهو كان خير مساعد له، يدخل عليه ويقول له: ''جئت
أقول لك أن تكفّ عن زيارة الكنتس ماري''، فبقيّ يحاور ذاته ويقول: ''كيف لا أرى صديقتي
بعد الآن وأنا لا أحيا إلاّ ساعة أكون قربها''، بضع كلمات قالها وخرج، فبقيّت الدهشة تعتري
ذاته وسألها قائلا: ''كيف يهتدي غريب إلى أسرار نفسي قبل أن أكون على علم تام بها؟''،
ولكن بقي حبّها يتراجع في جميع أنحاء قلبه خوفا مروعا، فالخوف كان أوّل عذاب الإنسان،
يوم يضنّ نفسه منسيا من اللّّ، وتلك النجوم والشلالات والأودية لا تعزيه فيها، بل هي تريد
النّفس شعورا بالوحدة والهجران، فتبقي الجبال سيط رة حبّها عليه، فأسقط عليها كلّ ما يليق
بها من وصف جميل، إنّها تلك الفتاة الحسناء التّي يتمنّى العيش معها في واد صغير، فهو
الآن متألّم لفراقها، وتمرّ الأيّام فيصبح ذلك الخوف الذّي كان يتعسه البارحة في عينيه حجّة
ا رسخة مسائلا ذاته ''لماذا نحن نسعى في تفهّم نفوس الآخرين ونفوسنا مغلقة على بحثنا؟''
فجاء ذلك الخبر الذّي كان يجب أن يسمعه منذ مدّة طويلة وهو خبر الفراق والمقابلة
الأخيرة، ومرّت الأيام والأسابيع والشّهور والأعوام، وأصبح وطنه أرضا غريبة وبلاد الغرباء
أصبحت وطنه، ولكن يبقى حبّ فتاة الجبال مغروسا في فكره وقلبه وخاطره.
7 سيمياء الاغتراب: -
1 7 مفهوم المنهج السيميائي: إنّ الحديث عن ظهور هذا المنهج وتعدّد اتّجاهاته - -
في النقد الأدبي الحديث يستدعي الالتفات إلى جذوره في تاريخ الثّقافة الإنسانيّة أوّلا،
فالتفكير العلاماتي لم يبدأ مع ''بيرس أو سوسير'' كما هو شائع، بل إنّ أصول العلامة
وجذورها قديمة في التفكير الإنساني، وانّ هذه الجذور نمت مع القضايا الفلسفية والعلمية
التي طرحها العقل البشري منذ أزمنة بعيدة.
أمّا في التراث العربي فنجد أنّ الأصول العامة التي وضعت للنّظرية السميائية كانت
قد انضوت تحت عنوان )علم الدّلالة( بمنحى ''أرلي بناي'' عمّا يتبادر إلى ذهن الكثيرين من
اقتصاره على ركن الصيغة فحسب، وهناك فلسفات كثيرة قد مهدت الطّريق لظهور السيميائية
فيما بعد لنشوء منجيتها العلمية في مدرستين كبيرتين هما: المدرسة الفرنسية والمدرسة
الأمريكية. وكان استعمال ال نقاد والباحثين السيميائيين للمصطلحات الخاصة دليل على تنوّع
ميادين اشتغال السيمياء وتشعبها، وتم وضع ثلاثة أشكال سيميائية تنطلق منها العلامة في
نظريا وتطبيقيا وهي على النحو الآتي:
1 العلامة الأيقونية: هي التي تقوم على علامة التّشابه بين الدّال والموضوع. -
2 العلامة المؤشّرة: هي العلامة القائمة على العلامة النّسبيّة بين الدّال وما يشار إليه -
وهي علامة منطقيّة.
3 العلامة الرمزيّة: وهي العلامة العرفية المحضة غير السببيّة ولا المنطقيّة، ومع تنوّع -
الاتّجاهات وكثرة الآراء والمؤلّفات التي رسمت الخطوط العريضة للمنهج السّ يميائي، والتّي قد
نجد تفاصيل بعضها يناهض الآخر أو يعارضه ) 1 .)
2 7 علاقة موضوع الاغتراب بالذّات: - -
هناك علاقة وطيدة ومتينة بين الاغتراب والذّات، فالاغتراب هو الهجرة إلى وبلد آخر
مختلف تماما عن الموطن الأصلي من حيث التقاليد والعرف، الدين وحتى اوللغة أحيانا.
ومصطلح الاغتراب متداول وشائع بين الناس جميعا، فهناك من تذوّق مرارته وشعر بقسوته
وهو في سن مبكرة من عمره، وكلّما تذكّر الإنسان أنّه خارج وطنه يحس بأن الكآبة رفيقة
دربه، ويجد نفسه في معترك الحياة وحيدا ، فيصبح الحنين إلى مسقط الرأس وذكرياته سنده
الوحيد. ثمّ تأتي الذّات لتقف بجانب الاغتراب باعتبارها عنصرا مساندا له، فعندما يجد
1 نفلة حسن أحمد العزّي: التحليل السيميائي للفن الروائي )دراسة تطبيقيّة في رواية الزّيني بركات(، دار الكتب والوثائق -
.11 ،11 ،11 ، الإسكندرية 1111 ، ص: 12
الإنسان نفسه يعيش بعيدا عن وطنه يضطر إلى مواجهة ذاته ومحاولة إثباتها بالتّحاور معها
ومساءلتها عن كلّ موقف محرج تعرض له، فالشّخص الذّي لا يحاول اثبات موجود ميّت لا
حياة له, و كان ''مكس مولر'' نموذج من الناس الذين ذاقوا مرارة الاغتراب والابتعاد عن
الوطن، فهو دوما ما كان يناجي قلبه ويسأل ذاته المنكسرة المليئة بالآلام والآهات مستفسر
حول وضعه وحقيقة شخصه ولماذا هو موجود في هذا البلد فعندما وجد نفسه بعيدا عن
وطنه يعاني مرارة الاغتراب وهو في سنّ صغي رة لا يتجاوز السّادسة من عمره أصبح
مضطرا بأن يثبت ذاته بفرنسا البلد التي اختارها له والده للدراسة، هذا الأب الذي ورث منه
مخيّلته الواسعة إذ امتاز في صغره بالذكاء وسرعة الخاطر وقوّة الخيّال وتحمل الصعاب
وعلى الرغم من قوة شخصي إلا أن الغربة فرضت نفسها عليه فصورة وطنه الأصلي تهجر
فؤاده إذ كانت تنهض فيه عاطفة منسية وتتمشّى في صدره ذهابا وايابا لا يدري أهي
عاطفة الحّب أو الصداقة التي تربطه بألمانيا. ويسأل ذاته للمرّة الثّانية قائلا: ''ألا يعرفني
هؤلاء الغرباء''، فيحس في نفسه بأنّ هؤلاء الغرباء هم أقرب أصدقائه وأعزّهم واحبهم إليه.
وكانت أول خطوة قام بها في محاولة إثبات ذاته هي الذّهاب إلى القصر والاختلاط مع
الأميرة ومشاركة الامراء في ألعابهم، وكأنّ معرفته بهم تعود إلى سنوات طويلة. وكان في
تعامله معهم يحاول أن يكون اشتراكيّا بأ وسع معاني الكلمة. أما ثاني خطوة قام بها فهي تعلم
اللّغة الفرنسية لكي يتسنى له الاندماج في مجتمعه الجديد والعيش فيه بسهولة، فقضية اللّغة
كانت من بين الضروريات كونه غريبا لا يتقنها ولا يفهمها لذلك وجب عليه أن تعلمها.
إن علاقة الاغتراب بالذّات علاقة قويّة ومتينة، فعليه أن يثبت ذاته داخل ذلك المجتمع
الغريب عنه الذي ينظر إليه نظرة سطحية معتبرا إياه شخصا غير مرغوب فيه، فكانت ذاته
المحاربة الوحيدة لإثباتها، فهي استحقاق للنّفس، وهو القرار الذّي يأخذه الفرد كموقف اتّجاه
نفسه، فتقدير الذّات يشمل قناعة الشّخص) 1 .)
وكما ذكرنا سابقا في الذّكرى الأولى كان مولر يتحدث عن طفولته التي اشتاق إليها
بكلّ ما تحمله من أسرار وذكريات، والتي كانت بالنسبة له غابة هادئة مسحورة ذاق فيها
مرارة الاغتراب وهو صغير لم يتجاوز من العمر السّت سنوات إذ أخذه والده إلى فرنسا رغما
عنه بغية التحصيل العلمي. ومن المعروف أن والده كان شاعرا ورث منه ابنه كلّ قريحته
ومخيّلته إذ امتاز مولر في صغره بالذّكاء وسرعة الخاطر وقوّة الخيال حتّى كاد نثره يكون
شعرا لما فيه من حسن نظم وصور خيالية رائعة.
لقد تربى هذا الفتى على ما ينمي ويقوي موهبته الأدبية فبيت والده كان ناديا لرجال
الأدب من الشّعراء والمغنّيين حتّى أنه تعلّق بالغناء، وصار غرضه الأكبر أن يصير من
كبار الموسيقيين. كما برع في د راسة اللّغات الشّرقية وبرع في إتقان الفارسية. وكان هدفه من
وراء سفره هو الدراسة لا غير. وبفعل إحساسه بالغربة في فرنسا كان مرارا ما يطرح سؤال
من ''أين نحن ومن نحن''. وكانت أهمّ خطوة قام بها هي استعادة جميع ذكرياته المليئة
بالأسرار والدهشة والسعادة التي لم تفارق مخيلته أبدا وكأنه أصبح يعيش من أجلها ولأجلها.
1 - .11 ،11 ،11 ،12 ، الرواية: ص 15
وقد احتلت في هذه التذكارات صورة وجه أمه الحنون، وعيني أبيه العميقتان الحيز الأكبر،
باعتبارهما رمز العاطفة والدفيء والرعاية فلولاهما لما كبر،
وفي ذكراه الثانية تحدّث عن الكنيسة ذات الصّليب القريبة من منزله واصفا إياها
بأزهى وأحلى الصور والقصر الملكي الذي أتيحت له فرصة زيارته بغية مشاهدته والتعرف
على الأمير والأميرة وأولادهما. ولما ذهب إليه برفقة والده تذكر فرح أهل هذا القصر به
ومعارضة والده له بالاختلاط بهم بحجة أنهم غرباء عنه ونتيجة لذلك أصيب بحزن شديد
لكنه سرعان ما انقشع عنه ذلك الشعور.
أمام ذكراه الثالثة استعاد مشهد تقبيله يدّ الأميرة والتعرّف على أولادها، ومشاركتهم
لمختلف الألعاب في الملاهي الموجودة بمحيط القصر، ثم ينتقل إلى تصوير مشهد خروجه
من المدرسة والتوجه مباشرة إلى القصر من أجل الاجتماع برفاقه بغية الحصول على
اللعيبات والدمى التّي كان يحبها حبا شديدا. أما الصورة الأكثر أهمية التي رصدها ذهنه
فتتمثل في معاشرته للأمراء وتعلّم اللّغة الفرنسية معهم. وهكذا تستمر الذّكرات وتبقى صورة
الكنتس ماري تسيطر على مخيلته، ليكبر ويحس فيما بعد باختلاف الحيّاة وتمر من عم ره
أعواما ولم يحفظ في ذهنه سوى كتيبا للذّ كرى مفاده على حد تعبيره: ''أنّنا قطعنا من الأيام
مراحل وتقدّمنا في السّن''.
وفيما يخص ذكراه الرابعة فتعلقت بعودته إلى وطنه بعد انقضاء مدّة دراسته ونيل
الشّهادة العلمية بعد أن قضى أوقاتا تتراوح بين الخلوة والسرور فلم يبق له سوى التمسك
بإيمانه بالّلّ وحسن ثقته بالبشر. وعند رجوعه إلى مسقط رأسه صدم بتغير الحياة عن ما
تركها عليه وعما كانت تتصوّره مخيّلته فتجتاح نفسيته بحر خواطر جميع ذكرياته مؤمنا في
الآن ذاته بأنه حقق رغبة والديه بالحصول على الشّهادة العلمية التي أرسل من أجلها.
وهكذا يعود من جديد إلى أحضان مأواه ليسمع ساعة البرج و ويجد الكلب الذّي طالما لعب
معه في الماضي قد شاخ، وبائع السّلع ومعلّم الموسيقى وابنة الجيران قد تغيروا جميعا،
الأمر الذي جعله يصاب بالحزن الشديد بما يفعله الزمن في الحياة.
عاد مولر إلى البيت وحالته لا تسر لسانه عاجز عن التعبير عن عواطفه وأفكاره، لم
يتبق له جراء الصدمة سوى هدف واحد هو لقاءه بالكنتس ماري بعد سنوات طويلة من الفراق
ليعد الحوار الحوار بينهما كما كان عليه سابقا قائم على ضمير الجمع ''أنتم'' والمخاطب
المفرد ''أنت'' يستعملانه كأنهما لم يفترقا منذ الطفولة.
التقى مولر ب ماري ودار بينها حوار طويل كله شوق وحنين نجحا من خلاله في
تقريب أفكارهما لبعضهما البعض وتوافق ذاتهيما، فجاء ذلك الصّباح ليلتقي بطبيب البلدة
الذّي كان صديق كلّ نفس، وصديق كلّ طفل، ليدخل عليه ويطلب منه أن يكفّ عن
الالتقاء بالك ونتس ماري، فقد كان المعارض الأوّل لذلك، وجاء ذلك اليوم حيث قرّر الافت ا رق،
وفي الأخير يصفها ويشبّهها بفتاة الجبال العذبة، فيسقط عليها أجمل ما رأت عيناه، فعنم
الحزن عليه لفراقها، فخرست كلّ أفكاره وجثّت كلا عواطفه أمّام سرّ الأسرار الغامضة وسرّ
الحب المتناهي وغير المتناهي) 1 (. هكذا عاد مولر إلى وضعه الطبيعي بين أحضان ألمانيا.
1 - .22 ،53 ،51 ،31 ،33 ،31 ،12 ،15 ،13 ،11 ، الرواية : ص 13

mercredi 2 octobre 2019

ماهي الذات

الفصل الأول: ماهية الذّات
6
-1 ماهية الذّات:
تعددت مفاهيم الذّات واختلفت اختلافا كبيرا، فهي في عمومها انعكاس كلّ ما بداخل
الإنسان، كما تمثل وجهته في الحياة وقد راته وطموحاته؛ أي أنها تمثل نظرة الإنسان عن
نفسه وقدراته، ومهاراته. ومن المعروف أن ذات الإنسان هي نتاج الخيرات التي يمرّ بها،
فالذّات هي طابع خاص للإنسان ومدى تأثّره بالبيئة المحيطة به.
وتتشكل الذات تلقائيا نتيجة لعلاقة الفرد بالمجتمع والبيئة، فهي لها قابلية كبيرة للخلق
والإبداع، وأخذ الطابع الخاص بها، فالذّات البشرية هي ذات متفاعلة، كما أنها هي إحدى
المفاهيم التي تحاول فهم الإنسان، وذلك من خلال اعتبارها عاملا مساعدا داخلي يتوسّط ما
بين داخل الإنسان والبيئة الخارجية المحيطة به، فكانت الحاجة لظهور مفاهيم العقل والانا
والذّات، وتمّ إظهار مفهوم الذّات بواسطة ''وليام جيمس'' وأطلق عليها اسم ''الأنا العقلية''.
وسنتطرق في هذا العرض إلى مفاهيم متعددة تخص الذّات، الأنا هو فكر خالص
والنفس جوهر ووظيفته التفكير فقط، وهي ذات طبيعية تجعلها متميزة عن الجسد، ويعتبر
ظهور الأنا المفكر كمحدّد للإنسان تمرّدا على الجماعة، وبهذا ظهر مفهوم الذّات اللاّ مبالي
بالعالم وبالغير به، والكوجيتو الدّيكارتي شكلا منعرجا حاسما في ميلاد الذّاتية الحديثة
وتحرّرها من سلطة القدامى، ومن المعروف أنّ ميلاد جدلية الذّات لم يكن وليد الصدفة،
وحضور الذّات في العالم لا يتمّ إلاّ بحضور الآخر، فسؤال الذّات يبقى سؤالا ا ره بامتيّاز؟

7
وعموما فإن كل فرد في المجتمع يحاول إثبات ذاته بمختلف السبل والطرق التي تجعله
متميزا عن الآخرين.
والذّات عامل محوري، كما أنّها مركز العالم وفهمه، فهي عندما تأتي، فإنها تأتي
لتعي قيمة ذلك الشّيء، فهي المنهج الفلسفي الذي يقدس هذه الأشياء، ثمّ أتت الفلسفة
المثاليّة الذّاتية لتعيد الاعتبار لها من خلال شعورها و احساسها، وتبرز وظيفتها من خلال
حياتنا اليومية.
- -1 2 لغة: يقابل كلمة الذات بالإنجليزية ) SELF ( أما بالفرنسية ) Le soi ( ، ووردت
في معجم الصّحاح بمعنى: ذات الشيء حقيقة أو جهرة، ويعرف الجوهري لفظة ''ذات'' أنّها
مجموعة الحقائق التي تميّز الشيء عمّا سواه وتساوي الماهية.
وتطلق ''الذّات'' ) Sujet ( على الجانب المدرك في الإنسان في مقابل الموضوع
( Objet ( وذات الشيء ) Essence ( إذا استعملت هكذا مضافة، فإنها يعني بها ما هبة
الشيء، أو جزء ماهيته، و) En Soi ( يستخدم هذا الاصطلاح للدلالة على طبيعة الشيء
بذاته بمعزل عن الأشياء أو الاعتبا ا رت الأخرى.
وفيما يخص الفكر البشري وحده في مقابل ما يخص العالم الطبيعي، بهذا المعنى يقال
عن الكيفيات الثانوية إنها ذاتية، ليس من حيث أنّها تختلف من شخص إلى آخر، ولكن من
حيث عدم مشروعيتها في تكوين نص ورت منطقية.
8
ذات مؤنّث: ذو: بمعنى صاحب، يقال: ذات مال، وذات أفناد، وجاء فلان بذاته: عينه
ونفسه عرفه ذات) 1 .)
- -2 2 اصطلاحا:
أ اجتماعيا: إنّ المجتمع هو صاحب الدّور الأساسي في تكوين حياة الأفراد، ويعرف -
علماء الاجتماع ''الذّات'' على أنّها: )بناء يفترض وجوده باعتباره أساس تحقيق التكامل
والاتّصال بين خبراتها جميعا؛ أي الأساس الذّي يجمع بينها في كلّ ''منظّم ومتّصل'' هذا
التعريف الاجتماعي لمفهوم ''الذّات'' يقوم على أساس الوحدة المتكاملة بين أفراد المجتمع
الواحد، وجوهر قيّام هذه الوحدة هو الاتّصال بين مختلف الخبرات؛ أي النشاطات الفكرية أو
المادية التي يقوم بها الأفراد، وهذه الخبرات توصل المجتمع إلى بناء ما يكوّنه على أساس
التكامل والاتّصال، ويرى عالم الاجتماع ''كولي'': أنّ الذّات تنمو من المخالطة مع الآخرين،
وأنّ الأصل الاجتماعي لحياة الإنسان يأتي عن طريق أوامر الاختلاط او المعاشرة مع
(الآخري .)
إنّ الإنسان لا يحقق ذاته وكماله على أيّ شكل من المجرّدات مثل: « :'' يقول ''ماركس
الألوهية والإيديولوجيات، وانّما يحقق نفسه بالاتحاد مع العالم بواسطة العمل الخلا اق والنشاط
( » البناء والعلاقات الاجتماعية العينية المنسجمة 3 (؛ بمعنى أنّ الإنسان لكي يحقق ذاته
1 حكيم أومق ا رن: البحث عن الذات في الرواية الج ا زئرية، دار الغرب للنّشر والتوزيع، وه ا رن ، الج ا زئر، دط -
. 5002 ، ص، 91
2 - . المرجع نفسه: ص، 50
3 - . المرجع نفسه: ص، 59
الفصل الأول: ماهية الذّات
وتكون كاملة يجب أن يكون منسجما مع المجتمع، وذلك بالاختلاط والمعاصرة مع الطرف
الآخر، ويقوم ذلك أيضا على أساس الوحدة المتكاملة بين أفراد المجتمع.
ب أخلاقيّا: إذا كان مفهوم الذّات لدى علماء الاجتماع يعرف بمعنى التكامل بين -
الظواهر الاجتماعية المختلفة، وعلاقة الفرد بعالمه الخارجي، فإنّ لعلماء الأخلاق مفهوما
وتفسيرا آخرا، إذ هي عندهم وعي الإنسان لذاته كشخصية لمكانته في نشاط الناس
الاجتماعي المشترك، وبفضل وعي الذّات يكتسب الإنسان القدرة على مراقبة الذّات، أو
إمكانية التوجه الهادف لتصرفاتها وضبطها وتربية الذّ ات، وفي صلب وعي الذّات عند
الشخصية تقوم قناعتها وموقفها الذّاتي منها.
يرتكز مفهوم الذّات عند علماء الأخلاق على وعي الإنسان كفرد، ووعيه ضمن
مجموعة أفراد، وبفضل الوعي يتوصل الإنسان إلى تحقيق ذاته كشخصية أخلاقيّة في
مفهومي الكرامة، والشرف، وقدرة المرء على تحقيق قناعته من خلال الضبط الذّاتي لأفعاله
هي الضمير، وترتبط الذّات ارتباطا وثيقا بالقيم الأخلاقيّة السائدة في المجتمع وهي الكرامة
والشرف والقناعة، ويضاف إلى هذه القيم الوسيلة المساعدة أو القائمة على بناء الذّات، ألا
وهي الضمير، والضمير هو المحكمة الباطنية التي توجه سلوك الإنسان، وهي تحكم على
الأشياء بالخير أو بالشر، فيقت رب منها الإنسان ويمارسها أو ينفر منها ويستقبحها ويحاربها
لكي لا تؤثر على سلوكاته) 1 .)
1 - .52 ،55 ، حكيم أومقارن: البحث عن الذات في الرواية الج ا زئرية، ص 59
ت نفسيا: ينطلق بعض علماء النّفس في تعريفهم لمفهوم الذّات بالفصل بين الكائن -
للإنسان كمادة حيوية وعقليّة من جهة، وكحياة حسية وشعورية ونفسيّة من جهة أخرى،
وتعتبر الحياة النّفسية العنصر المسير لسلوك الإنسان وأفعاله، فهي إثبات الأنا )تقويتها(
وتوفير الحاجات لها، وذهب علماء النّفس إلى أن كل كائن يملك شمسا داخلية في ذاته،
والمهمة الرئيسية هي أن يكتشفها، وأن يلتحق بها حتى الالتصاق لكي يصير كلّه شمسا.
إنّ الغاية التّي ينشدها الباحث عن الذّات في جانبها النفسي: هي بحث في حسن
الحياة، وبحث في الانعتاق يعني اكتشاف الحقيقة، حقيقة تظهر وتتجلّى بصورة دائمة الجدّة،
وتصنع معرفة الذّات من الإنسان كائن ح ا ر، ومن الحرية والانعتاق يصل الإنسان إلى
الحكمة بها يكتشف نفسه، وبهذا الاكتشاف يصبح خالق بذاته) 1 .)
ث فلسفيا: ينطلق بحث الفلاسفة عن الإنسان وعن الذّات من قاعدة أساسية، ويقول -
الإنسان كائن روحاني، لأنّه لا يستطيع أن يتجاوز وضعه ككائن عضوي وككائن اجتماعي،
وأن يتحرر إلى حد ما من علاقته بجسمه، ومن ضغط المجتمع عليه ليعيش حسب
مقتضيات روحية، ولا يكون مجرّد انعكاس لما يجري في جسمه، أو مجرد صدى لما يقال أو
يجري في مجتمعه، ولا بد عندئذ من التفريق بين ''الأنا'' بوصفه فردا، وبين ''الأنا'' بوصفه
فأنا بوصفي فردا لا يتحدد من حيث ميلاده « : شعورنا بالذّات، قال ''نيتشه'' في هذا الأمر
وتكوينه الجسماني والعقلي؟ إنّما أنا كذلك نتيجة أسباب ليست هي أنا لأنّها ليست فعاليتي
1 - .52 ، حكيم أومق ا رن: البحث عن الذّات في الرواية الج ا زئرية، ص 52  
الشعورية الخاصة لأنّها أمور تتعلّق بالأنا، والعالم الخارجي والظروف المحيطة، أمّا ''أنا''
بوصفي شعورا بالذّات فأنا فعل نفسي ذاتي، وهذا الفعل يغيّر أحوالي ويجعل مني كائنا آخر
(» غير الذّي كنته، إنّه يحيل اعتمادي إلى الحرية 1 (؛ فنيتشه ينفي أن تكون الذّات مج رد هيئة
جسمية وعقلية فقط، فالإنسان لا يحصل حسب تجسد مادي وفكري معين، إنّما ذاته بتأثير
الأنا الأعلى)*( التي ترغم الذّات على الخضوع لبعض القوانين الخارجية التي لا علاقة لها
بالذّات الداخلية فيخضعها إلى التقاليد، الأعراف، الدين، السلطة الأبوية، سلطة المؤسسات،
ومن هنا يمكن أن تعتبر الذّات مساوية للأنا كما تتعلق الذّات بالتأثيرات للظروف الخارجية
مثل: الفقر، وعم الحصول على فرصة للعمل، وفي هذا كلّه إشارة من ''نتشه'' إلى أنّ الذّات
تتركّب من مركّب خارجي وداخلي، والمركّب الخارجي سبق وطرحناه، أمّا المركب الدّاخلي
متعلّق بالشّعور وبالأحوال، وبالتقلّبات النفسيّة، وبفلسفة الذّات الفرديّة وهو عالم نفسي لا
تحكمه أيّة قوانين.
إنّ معرفة الذّات نتيجة استفهام والإنسان الذي يريد الاستجابة لقدره، ويجب أن يستفهم «
من ذاته عن ذاته، وأن يسأل ذاته من هو؟ ويبدأ البحث عن معرفة الذّات كأنّه خطة
موضوعية للتنفيذ، فالذّات تشبه المكان الذي يلجأ إليه الإنسان، لأنّه مكان يجب أن يرى
1 - . حكيم أومقا رن: البحث عن الذّات في الرواية الج ا زئرية، ص 52
)*( الأنا الأعلى: يتضمّن جزئين: جزء فطري ويعني الغرائز الموروثة التّي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها -
الأنا، وجزء مكتسب هي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا )الشعور( من الظهور، وكما وصفها ''فرويد''
هي شخصية المرء في صورها الأكثر تحفّظا وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية
والمبادئ.
(» رؤاه 1 (؛ إنّ تعريف الذّات)*( أو توضيحها يقتضي البدئ من التساؤل الآتي: من الذّي يدفع
بالذّات إلى إيجاد مبادئها الاخلاقيّة وأفكارها الخاصة، ومعتقداتها الفردية بغض النظر عمّا
يفكّ ه الآخرون فيها أو يعتقده المجتمع بها؟، إنّ هذا االتساؤل الذّاتي الذي يلجأ الفرد إلى
طرحه حول نفسه يوصله إلى معرفة ذاته وايجاده لها أو لثوابتها وملامحها الدّاخلية يخلق له
معرفة بقينيه بنفسه وبوجوده، وهكذا يصبح تعريف الذّات على أنّها الملجأ الداخلي الذي
يهرب إليه الفرد ليسائلها معه، وحين يدرك وجوده الداخلي سيتمكن من معرفة عالم
الموجودات الظاهرة والخارجية.
وانّ وصول الإنسان حسب ''ريكاردو'' إلى ذاته من تمركزها الداخلي يضمن له إيجاد
نفسه أو لنقل إيجاد هويته، فيدرك بذلك علاقته بذاته من جهة وتمركزه الخارجي وعلاقته
بالذّوات الأخرى في المجتمع.
الإنسان يجد نفسه مستم ا ر في تغيّير طريقة التفكير في ذاته، فهو يرى ذاته قابلة « و
(» ودائمة للتغيّير، فهناك الأنا التي تحب، و الأنا التي تكره، والأنا الكريمة، والأنا الحاسدة 2 ؛)
فالإنسان دائما يسعى في حياته اليومية إلى تغيّير طريقة تفكيره إلى الأحسن، لأنّ ذات الفرد
1 - ، 9192 ، ص 25 ، ماري مادلين داقي: معرفة الذّات، ت: نسيم نصر.منشورتت، عويدات بيروت، باريس، ط 2
)*( الذّات: هي إحدى المفاهيم المختلفة التي تحاول فهم الإنسان، وذلك من خلال اعتبارها عاملا مساعدا -
داخلي يتوسط ما بين داخل الإنسان والبيئة المحيطة به، فالذّات هي انعكاس لكل ما بداخله، وهي تمثل نظرة
الإنسان إلى نفسه وقد ا رته ومها ا رته.
2 - . المرجع نفسه، ص 22
تكون دائما قابلة للتغيّير والتجديد، فهناك أناس يحبون وأناس يكرهون، فذات الإنسان تتغير
تحب م ا رت وتكره مرات أخرى إلى غير ذلك من الصفات.
الجسم والنفس والعقل والموجود، والإنسان في سياق العلاقات « الذّات هنا تشير إلى « و
(» المتبادلة بينها 1 (؛ بمعنى أنّ الذّات مركب معقد لا تمثل عنصر امن الإنسان منعزلا عن
الآخر، ولكنها تشكيل من تفكير الفرد حولل نفسه من جهة، وتفكيره المرتبط بمجتمعه،
ومتشكّلة من نفسيته بمختلف تفرعاتها، والتي ت رتبط هي الأخرى بمؤثرات خارجية أخرى
كعلاقته مع الناس وما يترتب عنها.
فهو يدل على الحرية والمسؤولية، وعلى العقلانية والهوية « : أمّا المفهوم الثاني
(» الثقافيّة 2 (؛ بمعنى أنّ الإنسان لكي يثبت ذاته، وشخصيته يجب أن يتمتع بالحرية، والحّ ية
بالتّأكيد تتطلب المسؤولية، فالإنسان يكون حرا، ويجب أن يتحصل على النتائج المترتبة عن
هذه الحرية، فمن المعروف أنّ الذّات لا يمكن فصلها عن مذهب العقل، فالعقل هو وعاء
للفكر، والفكرة ينتجها بعد وعي واد راك، لأنّ الذّات هي عبارة عن مشروع للحياة.
1 محمد المصباحي: الذّات في الفكر العربي الإسلامي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، -
. دط، 5092 ، ص، 969
2 المرجع نفسه: ص ن. -
كيفية تفكير الفرد حول تقييم وادراك ذاته، إذ « ومفهوم الذّات بصورة عامة يشير إلى
(» من أجل أن يكون الفرد واعيا بذاته، فإن عليه أن يكون مدركا لذاته بشكل جيد 1 (؛ بمعنى
أنّ طريقة وكيفية تفكير الفرد، وبناء واد ا رك ذاته تجعل منه إنسانا واعيا ومدركا لذاته ومسؤول
عنها بشكل جيد، والصورة العامة المطروحة في هذا التعريف لمفهوم الذّات هي إشارات إلى
أنّ الفرد يملك كيفية تفكير يتميز بها حول طريقة إدراك وت قيم مختلف الجوانب التي تخص
ذاته، والهدف من ذلك هو جعله إنسانا واعيا ومدركا لذاته بشكل متقن جيدا.
معتقدات الفرد حول ذاته التي تتضمن صفاته « وطرح مفهوم الذّات بمعنى آخر على أنه
(» الجسمية والنفسية والاجتماعية 2 (؛ يصبح إذن على هذا النحو مفهوم الذّات متعلّق بشخصية
الفرد، حيث يشكل نظرية الخاصة اتّجاه ما يحبه ويكرهه، مشاعره الذّاتية، طموحاته، من
جهة ونظرته لعلاقاته مع الأطراف الأخرى من المجتمع، كما تمثل الذّات هذا التجسد
الجسمي الذّي يحتوي هذه التف رعات كلّها من عناصر الذّات.
(» جزء مهمّ من دراسة علم النّفس الاجتماعي والإنساني والتطوّري «  ان مفهوم الذّات 3 ؛)
من المعروف أنّ علم النّفس الاجتماعي والإنساني وغيرها الذّات عنصر حاضر وله دور
1 سول ماكلاود: سيكولوجية مفهوم الذات، ت: علي عبد الرحيم صالح -
www.arapsynet/documents/docaliselfconceptpsy.𝑝𝑑𝑓. . ص 09
2 - . المرجع نفسه: ص، 09
3 المرجع نفسه: ص ن. -
كبير مهم؛ بمعنى أنّ الذّات تشكل البناء الأساسي الذي يرى فيه الإنسان نفسه عند تفاعله
مع الآخرين بكون أنّ الذات تجعل الإنسان يرى نفسه شخصا فريدا ومميزا بمعزل عنهم.
-3 أهمّية الذّات:
تعتبر أ الذّات عند الفرد الوسيلة الخاصة للوصول إلى معرفة الأهداف والغايات التي
يسعى الفرد من أجلها لتحقيقها، وهي أيضا طريقة التواصل مع الآخرين، وكان الشعور
أنّ تقدير « بالذّات هي التي تمكننا من معرفة حياتنا النفسية وتميّزها من خيرها وشرها، حيث
الذّات ألا وهو القدرة على أن تحب نفسك، سوف يبدو في الظاهر أنّ إدراك ضعف تقدير
الذّات عند أحد الأفراد، وأنّ علاج هذه المشكلة من الأمور البسيطة. لا بالطبع، فقد تط ورت
صورتك الذّاتية عبر سلسلة من التجارب الإيجابية والسلبية، وأنت ثمرة هذه التجارب ولن
(» يلغي قرارا أو حدثا واحد الأثر المتراكم لهذه التجارب 1 (؛ فالذّات عند البشر في طبيعتهم
منسجمة بين الإيجابية والسلبية، والذات ليست إلاّ حب للنفس، ويبقى الفرد متأرجحا بين
العوامل الإيجابية والسلبية في حياتها، ورغم أنّ هناك علاج لمشكلات العوامل السلبية ويبقى
دائما في حيز هذه التجارب.
-4 الاغت ا رب:
الاغتراب مسألة مهمة من مسائل الحياة، عشنا في تراثها زمنا طويلا نعاني ونشقى
ونفرح ونحزن ونسعد، تقبلنا ظروف الاغتراب كيف شاءت وتسقطنا إلى دروب سحيقة تارة،
1 - . 5002 ، ص 990 ، إبراهيم الفقي: الثّقة والاعتزاز بالنفس، مكتبة نور الحياة، دار فراي، ط 9
وتنقلنا إلى الأعال تارة أخرى، وهكذا نحن نعيش في عالم الاغتراب تشقى فيها حواسنا
ومشاعرنا، وتتزايد ألامنا، نحس بكل هذه المشاعر الأليمة ونمتصها في داخل أنفسنا دون أن
يشعر بنا أحد، نقاسي ونتراجع في داخل أنفسنا ويلات مشاكلنا ومع هذا كلّه لا ينظر إلينا
النّاس إلاّ نظرة واحدة هي أنّنا لسنا منتمين إلى ذلك الوطن.
1 4 مفهوم الاغتراب: تعدد مفهوم الاغتراب وفق نظرة كل فيلسوف له) - 1 ( .ولعل أبرز
من تطرق له بالتنظير نجد كلا من:
أ هيجل: عرف الفيلسوف الألماني هيجل الاغتراب بأنه حالة اللاّ قدرة أو العجز التي -
يعانيها الإنسان عندما يفقد سيطرته على مخلوقاته ومنتجاته وممتلكاته، فتوظف لصالح غيره
بدل أن يسيطر هو عليها لصالحه الخاص، وبهذا يفقد الفرد القدرة على تقرير مصيره
وطموحاته والتّأثير في مجرى الأحداث التاريخية بما فيها تلك التي تهمه وتسهم في تحقيق
ذاته؛ فهيجل هنا يصف الاغتراب على أنّه حالة من إحدى حالات العجز التّي يعانيها الفرد
عندما يفقد سيطرته على مجموعة من الأشياء، حيث توظف لصالح غيره، وعندما يفقد هذه
الأشياء يفقد القدرة على تقرير مصيره، وخاصة الأشياء التي تساهم في تحقيق ذاته، خاصة
عندما يكون ذلك الفرد مغتربا وبعيدا عن وطنه، فهو دائما يحاول ان يثبت ذاته، فالاغتراب
في حالة اللا قدرة يفقد فيها الإنسان سيطرته عندما يكون في حالة اغتراب عن وطنه، فذاته
1 حليم بركات: الاغت ا رب في الثقافة الغربية، متاهات الإنسان بين الحلم والواقع، مركز د راسات الوحدة العربية، -
.22 ،25 ،21 ،29 ، 5005 ، ص 22 ، بيروت، لبنان، ط 9
دائما تحاول إثبات نفسها، فعندما يكون الفرد مغتربا لا شيء يوظف لصالحه بل يسيطر
عليها غيره.
ب فيورباخ: ا عتبر أنّ الإنسان يغترب عن نفسه لأنّه يعكس من خلال إيمانه الدّ يني -
أفضل ما لديه ومن نفسه من صفات على ما هو خارج ذاته.
ت ماكس فيّير: ركز على اغتراب العامل، وهي حالة عامة في المجتمعات الرأسمالية، -
حيث تتحكم قوّة غير إنسانية بجميع جوانب الحياة.
ث كارل ماركس: حوّل مفهوم الاغتراب من مفهوم فلسفي إلى مفهوم اجتماعي -
اقتصادي، ويظهر أنّ الاغتراب عنده حالة عامة في المجتمعات الرأسمالية.
د المفهوم الوجودي للاغتراب: -
تناولت الوجودية عدة موضوعات تتصل عمقا بتجارب الاغتراب كمشاعر التعلّق بحق
الاختيار وما ي ا رفقه من أحاسيس المسؤولية والقلق والعبث والغربة والعجز واللا انتماء،
ورسمت صورة للإنسان الحديث على أنّه في الوجود كمسافر فوق بحر لا خريطة له.
2 4 وجوه الاغتراب: - -
للاغتراب عدة وجوه من المعاني والدلالات، فمنه الاغتراب عن الوطن إلى جهات
بعيدة وقاسية بالنسبة له، ومنه الاغتراب النفسي وذلك حين يشعر المرء أنه يعيش غريبا بين
أبناء مجتمعه، ومنه أيضا اغتراب المرء عن نفسه، وهناك الاغتراب الذي ينفصم فيه، وهناك
الاغتراب الذي ينفصل فيه الإنسان عن أهله وأصدقائه ويهرب إلى مجتمعات أخرى.
واذا ألقينا نظرة على كلمة الاغتراب فإنّه يتهيأ لنا منذ الوهلة الأولى أنّها عبارة عن
سفر ومسافرين، وبعد عن الديار والأهل، مثلا نجد الكثير من المغتربين يشقون البراري
والصحاري، فالاغتراب الذي تود الحديث عنه هو الاغتراب الذي يدخل في إطار البعد عن
الوطن، وما يولده هذا الاغتراب من أثر في نفس المغترب) 1 .)
3 4 أسباب الاغتراب: هناك مجموعة من الأسباب لعل أبرزها: - -
- الحاجة إلى المادة: هي التي تدفع الإنسان إلى الاغتراب، فهو يعتبرها بمثابة العصب
القوي، تستطيع أن تدفع الإنسان إلى جهات فوقية وهذا سبب من إحدى الأسباب الرئيسية
 للإغتراب
- إلى جانب أنّ المغترب يجدد سنوات اغتراب به بسنتين أو ثلاثة، ولكن عندما يبدأ
بالحصاد المادي تقوى شهوة الطمع في باطنه، حيث تصبح القناعة كلمة ضائعة بين أكوام
الدنانير.
- السعي وراء العلم والحصول عليه هو سبب آخر للاغتراب، يقطع فيه المسافات
الطويلة) 2 )
4 4 الفرق بين الغربة والاغتراب: حظيت ظاهرتي الغربة والاغتراب باهتمام المفكرين -
1 - ، طالب ياسين: الاغتراب، تحليل اجتماعي ونفسي لأحوال المغتربين وأوضاعهم، المكتبة الوطنية، عمان، ط 9
.95 ، 9115 ، ص 01
2 - .96 ، المرجع نفسه: ص 92
والفلاسفة والأدباء الذين أشاروا إلى أ ن ثمة فرق بين بينهما، وعلى ال رغم من أنّ معظم
معاجم اللّغة قد جعلتهما من المترادفات اللّفظية، إلاّ أنّنا نلمس فروقا بينهما من حيث الدلالة،
الغربة هي البعد والتنحي عن الناس، لأسباب قاهرة، مخارج الإنسان كمعنى « إذ أ ا ن
(» مج رد 1 (؛ أي أنّ الغربة هي البعد الوطن والابتعاد عن المجتمع الأم، وذلك يعود لأسباب
عديدة منها الدراسة أو العمل، الحروب السياسية، وهذه الغربة خارج إ ا ردة الإنسان، كما تكون
(» الغربة مقترنة بالبعد عن الوطن وفراق الأهل والأحبة، وهي بذلك مرتبطة بالمكان « 2 ؛)
حيث أنّ الغربة تعني البعد عن الوطن والأهل، إذ يترغب الإنسان غالبا من أجل العمل أو
الدراسة، وهي انتقال من بلده إلى بلد آخر.
غربة وجودية: غربة المكان، غربة النفس في وطن غير الوطن، « الغربة عند شعرائنا
وسط أهل غير الأهل، غربة الورع عن الجذور، بينما هي في المفهوم الحديث اغتراب
(» حضاري وموقف يتخذه المثقف الغربي الفارغ قلبه من كلّ القيم الروحية 3 (؛ حيث أنّ الغربة
نجدها بكثرة عند شعرائنا الذين يشتكون منها بسبب هجرتهم ونفيهم من بلدانهم، كما اعتبروها
غربة النّفس في وطن غير وطنهم، إضافة لاعتبار أنفسهم غرباء في وطن آخر وسط أهل
غير أهلهم الحقيقيين، وتكون الغربة التواري والاختفاء عن الآخرين، وتكون الغربة في
1 - . مصطفى فاروق عبد العليم محمود: الاغت ا رب في شعر ابن أيدمر المستعصمي، ص 10
Htttps://jffe.journals.ekb.eg
2 نضال عليان عويض العماوي: الغربة والحنين في شعر أحمد شوقي، - مخطوط إش ا رف د/ ماجد محمد النعامي،
. الجامعة الإسلامية غزة، فلسطين، 5090 ، ص: 20
3 - . المرجع نفسه: ص 29
المفهوم الحديث الاغتراب الحضاري الذّي يسكن أحشاء المثقّف الغربي الذّي يريد أن يغيّر
الواقع الاجتماعي ومقاومته للانصهار في الوسط الحضاري لبناء الحضارة الإنسانية على
أسس متطابقة مع الفطرة الإنسانية.
تستأصل الإنسان من كلّ ما يربطه بالحياة والحيز الإنساني وتحرك « إن ظاهرة الغربة
في عوالمه الباطنية، أنغام الحزن والشقاوة، ولكنها تتحول في الأعمال الشعرية إلى زف ا رت
(» حزن، وصرخة في وجه الحياة الجائرة البائسة وانتصار للفرج والخلاص 1 (؛ حيث إنّ ظاهرة
الغربة والحنين قديمة قدم الإنسانية، عرفها الإنسان منذ ان وطئت قدماه على وجه الأرض،
وما ا زل يلازمه وتصاحبه بمأساتها إلى يومنا هذا، وذلك إضافة إلى الأوضاع التي يعيشها
الإنسان، وهذه الظاهرة ترّك داخل الإنسان أنغام الحزن والألم والشقاوة، وكان الشعر العربي
مليء بتلك الشواهد منذ بداياته، وتحوّلت أعمالهم إلى مواضيع عن الألم والحرقة، فلقد كان
الشع ا رء الأوائل يقفون على الأطلال وكان وقوفهم هذا هو الشعور بالغربة عن الديار
والأحباب، حيث لا يسعى إلى من يوجه مصيره في وحدة قائمة لا جيب يواسيه ولا فكر
مسعف ينير طريقه، ولا عافية تعينه على مواجهة الصعوبات، وهم دائما ينتظر بفارغ الصبر
الفرج.
1 حمة دحماني: ظاهرة الغربة والاغتراب في شعر مفدي زكرياء، مخطوط، إش ا رف د/ عبد الله حمادي، قسسم الأدب -
. 5006 ، ص 29 / العربي جامعة منتوري قسنطينة، 5002
من خلال هذا نستنتج أنّ الغربة توجد منها المذمومة والمحمودة، فالمذمومة هي حالة
عدم الانسجام بين مكونات الفطرة ومكوّنات الحضارة التي يعيشها الإنسان، بينما الغربة
المحمودة هي الانتقال والابتعاد عن المجتمع والسفر بعيدا.
بينما تعد مشكلة الاغتراب باعتباره حالة مميزة للإنسان في عصرنا هذا وذلك بسبب
تضارب الآراء والاتّجاهات، ويكون الاغتراب مثل الانسلاخ عن المجتمع والعزلة، والانعزال،
افتعال « والاختفاء بسبب عدم التكيف مع الأوضاع السائدة في المجتمع، كما يكون أيضا
الغربة والخروج على القيم والأعراف والتقاليد التي يؤمن بها المجتمع، وكذلك هو عجز عن
– - (» التأثير في المجتمع داخل الإنسان وبمعنى أوضح الاغتراب طوعا والغربة تفرّ قسوا 1 ؛)
حيث أنّ الاغتراب يكون نتيجة الغربة وذلك برفض العادات والتقاليد التي يؤمن بها مجتمعه
أو عجز عن الانتماء إلى المجتمع وتقاليده، أو الاختلاف بسبب التميّز والتعالي عن
المجتمع، وبكون الاغتراب طوعيا.
نفسية يعاني منها الفرد، ويشعر معها بعدم الصلة بالواقع المعاش، « اولاغتراب حالة
ويعد اله وة بينه وبين الآخرين، وعلى الصعيدين الأسري والاجتماعي، بحيث يؤدي هذا
الانفصال إلى ركون الفرد إلى العزلة والانطواء وتحقير الذّات، وذلك لعدم الشعور بأهمية ما
(» يقوم به من أعمال، وبالتالي فإنه يعد حياته نوعا من الهراء المعاش 2 (، ومنه يعتبر
1 مصطفى فاروق عبد العليم محمود: الاغتراب في شعر ابن أدمر المستعصمي، -
ص 10 https//jffe.journals.ekb.eg .
2 - . المرجع نفسه: ص 12
الاغتراب حالة نفسية يعيشها الإنسان داخليا، إذ يشعر بالوحدة وعدم الاتّصال مع واقعه،
وتكون علاقته مع الآخرين بعيدة، وفي الأخير تؤدي هذه الوحدة و هذا الانفصال إلى العزلة
واحتقار الذّات، وحتى عدم إعطاء أهمية لحياته وللأعمال التي يقوم بها، والاغتراب هو
مجرد عملية تحويل منتجات النشاط الإنساني والاجتماعي إلى شيء مستقل عن الإنسان.
انعدام السلطة والانخلاع، والانفصام عن الذّات والأنوميا « كما يعني الاغتراب بمعنى
( anomie (، والأشياء أو التذمر والهداء والعزلة وانعدام المغزى في واقع الحياة والإحباط
( frustration (») 1 (؛ والواضح أنّ المغترب منعدم على السلطة والانخلاع، وكذا فهو متصل
عن الذّات والشعور بالاستياء أو التذمّر والانسلاخ عن المجتمع والعزلة والشعور بالإحباط
وغياب المغزى للحياة.
مثالي خيالي منعه الغرباء أو المتوحدون لأنفسهم يلجؤون إليه « إنّ الاغتراب عالم
(» للفرار بأفكارهم وتص وراتهم، لأنّهم لم يتأقلموا مع واقعهم الاجتماعي الذي تربوا فيه 2 ؛)
باعتبار أنّ الاغتراب حالة مميّزة وعالم مثالي متواجد عند الغرباء أو الموحدين لأنفسهم، وهذا
وجد من أجل التغلب على أفكارهم السلبية، ومعيشتهم المحزنة رغم بعدهم عن مجتمعهم، فهم
يفهموا العزلة ويرون أنّها الوسيلة التّي تساعدهم على التفكير المؤام وتص وراتهم المحزنة،
هذا الاغتراب هو الشعور بعدم التفاؤل بين الذّات وذوات الآخرين ونقص المودة والألفة « و
1 - . حمه دحماني: ظاهرة الغربة في شعر مفدي زكرياء، ص 92
2 - عرفات كرم مصطفى: ظاهرة الاغتراب، توطئة 5090 stoniato@.yahoo .
(» معهم وندرة التعاطف والمشاركة وضعف أوامر المحبة الاجتماعية مع الآخرين 1 (؛ حيث أنّ
الاغتراب هو شعور الفرد بالغربة والانفصال عن النفس وعن الآخرين وذلك ما يؤدي إلى
نقص الصداقة والمودة وغيابها، ويبتعد نهائيا عن المجتمع وعدم انتماءه إليه.
الاضطرابات في علاقة الفرد بنفسه والعالم من حيث يشعر « ويعتبر الاغتراب نوع من
المرء بأنّه غريب عن ذاته منفصل عن واقعه بسبب فقدان المعنى المتمثل بصورة أساسية
(» في الهدف 2 (؛ إذ يكون الاغتراب هو الانسحاب عن المجتمع وعدم وجود تفاعل اجتماعي
بين المغترب وبين الجماعات التي يعيش فيها، وذلك ما يشعر بأنّه غريب عن ذاته، فهو
يعيش حالة انفصال عن واقعه والجحر؛ أي الشعور بأنّ مصيره ليس في يده وحياة لا معنى
لها معدومة الهدف.
نستنتج في الأخير أنّ الاغتراب حالة نفسية وشعور الانفصام بين الذّات الواعية وقوى
اللاّ وعي، فالإنسان الاغترابي هو الذي يكون غريبا عن مجتمعه، أو ذلك الإنسان الذّي
حوّل إلى إنسان ذي علاقة غير ودية بمجتمعه.
-5 الذّات والوجود:
كلّ صلة بين موجود وموجود هي صلة بين ذات وذات، إمّا بين الأشياء، « الوجود هو
فلا وجود لغير احتكاكات ميكانيكيّة ''لا صلات'' ولا تكون الأنا ذاتا إلاّ إذا انعكست على
1 فاطمة جمشيدي : ملامح الاغتراب في شعر "علي فودة" وردود فعله عليها، مجلة إضاءات نقدية، جامعة أ زد -
. 5096 ، ص 62 ، الإسلامية، إيران، ع 52
2 - . فاطمة جمشيدي: ملامح الاغتراب في شعر "علي فودة" وردود فعله عليها، ص 65
نفسها، وهذا الانعكاس أو التأمل الباطني يسمح لها بامتلاك ذاتها واكتساب حريتها وتأكيدها
(» في الوقت نفسه، كيف يمكن إذن أن تؤثّر في ذات أخرى 1 (؛ ومنه يمكننا أن نقول وفقا لما
سبق انّ كل صلة بين الموجود حسب المذهب الوجودي أي بين كل ما هو ظاهر للعيان
ملموسا ومحددا في الواقع، وبين موجود آخر ماهي سوى صلة بين ذات وذات أخرى؛ نفهم
من هذا أنّ الوجود هو الذّات في منظور الوجوديين وأنهما يدلاّن على الشيء نفسه، وما
يكون بين الذّات وذات أخرى يندرج تحت تسمية ''صلة'' والصلة تتطلب..... وغيابها عكس
العلاقة بين الأشياء التي تكون خاضعة لاحتكاكات ميكانيكية، فهي ظواهر مرتبطة بعلة
السببية والمسببة هذه تعني أنّ الذّات هي الوجود، بوعي الذّات به؛ أي لا معنى للوجود إن
لم تفهمه الذّات، والتي يجب أن تعود قبل فهم الوجود والاتحاد معه إلاّ فهم نفسها والانعكاس
إليها داخليا لتحقيق تأثير في الذوات الأخرى، فلا يمكن لذات أن تتصل أو تتواصل أو
تتفاعل مع ذات أخرى إلا بفهم داخلي لنفسها.
للوجودية دلالة مزدوجة، وهي: دلالة باعتبارها تيارا فلسفيا نمت في داخله مذاهب
متعددة، ودلالة بوصفها ظاهرة اجتماعية موسومة بكلمة ''وجودية'' تلك الكلمة التي انتشرت
انتشار البلاغة غير المألوفة في الأعوام الأخيرة، ومع ذلك فثمة سؤال مبدئي يعرض نفسه
ألا وهو تعريف ما يفهم من كلمة وجودية، ذلك أنّ هذا التعريف لا يأتي من تلقاء نفسه، بل
إنّ فكرة الوجودية نفسها تتخذ دلالات شتى، إذ يجوز للإنسان في الواقع أن يظن أنّ فكرة
1 - ، ريجس جوليفيه: المذاهب الوجودية من كيركجورد إلى جان بول سارتر،دار الآداب ، بيروت ، لبنان، ط 9
. 9199 ، ص 25
فلسفة الوجود ينبغي أن تفرض نفسها على الجميع، بمعنى واحد وبمقدار واحد، ويرى
''بسبرز'' أنّ النّظر في الوجود يقتضي انكار للفلسفة باعتبارها مذهبا وأنّ ''فلسفة الوجود'' لا
تعني سوى تحليل الوجود من حيث أخص ما فيه من فردية وعينية، و''هيدجر'' قال أنّ
الوجودية تقتصر على التحليل ال وجودي التي يردها إليه ''بسبرز'') 1 .)
وشغلت الذّات بما فيها من غموض، وتنوع عددا من المفكرين والفلاسفة من آ ا رء
سق ا رط الأولى، ومن تلاه من فلاسفة اليونان، وفي العصر الحديث لقيت هذه الكلمة اهتماما
واسعا، وجمعت للكثير من البحث والتفكير، كما تناولتها مذاهب كثيرة، مثل: المذهب
الوجودي، حيث سعى الباحثون إلى د ا رسة الذات الإنسانية ) 2 .)
-6 ثنائية الأنا والآخر:
تعد إشكالية الأنا والآخر من أهم المسائل والقضايا التّي عبرت عنها الرواية العربية
عامة والجزائرية خاصة، حيث أنّ الحالة الاجتماعية التّي يتمركز فيها الإنسان تبدأ من
علاقة الانا والآخر، وقد يحافظ الفرد على ذاته ويتكيف مع الآخرين، وذلك ما جعله يشكّل
العلاقة مع الآخر والاعتماد على أدوات التواصل فيما بينهم.
1 6 الأنا )الذّات( ) - - ego (: تعتبر الذّات بمثابة الدرع الواقي للإنسان، وهي أيضا
1 - .2 ،6 ، ريجيس جوليفية: المذاهب الوجودية من كيركجورد إلى جان بول سارتر، ص 2
2 مها الفيصل: البحث عن الذّات، دراسة في رواية سفينة وأميرة الطلال، مجلّة الأث ا رلأدبي،.جامعة قاصدي -
. 5002 ، ص 919 ، مرباح، ورقلة، الجزائر،ع 2
وهي أيضا الذّات الواعية، كما أنّها مجموعة من الحالات النفسية المتغيرة والمتصلة
فتمثل الأنا الإدراك والتفكير والحكمة الملائمة العقليّة، ويشرف على الننشاط الإرادي « معا
(» للفرد 1 (؛ حيث تعتبر الأنا بمثابة تفاعل الفرد وحصوله على المعلومات حول ما يحيط به،
والتفاعل أيضا في المعلومات الحاضرة مع الماضية، وانتاج تنظيمات عقلية جديدة، كما أنّها
تعتبر حكمة عقلية وملائمة، وتكون في مسار ا لشاط الإرادي والواعي.
تنشأ بوضوح من ذلك الجزء الذي تكون نواته جهاز ''الإد ا رك الحسي'' ثم يبدأ « إ ا ن الأنا
( » في إشمال ما قبل الشعور الذي يجاور الأنا الباقيّة في الذاكرة 2 (، ومنه فالأنا هي إد ا رك
حسي خالص يطلق على العملية العقليّة، ويكون ما قبل الشعور الذي يكون في إد ا رك ووعي
نفسه، ويكون أيضا مجاورا للآثار الموجودة في الذاكرة.
الحياتي، النفسي، « : ويمكن أخذ الأنا بعين الاعتبار على أصعدة مختلفة، منها
الخلقي، المجتمعي والديني...إلخ، و)الأنا( تمثل الوحدة الشخصية مثبتة بهذا التمثيل
(» استقلالها الذاتي 3 (. وتكون هذه الانا معبرة عن أشكال مختلفة كما أنها يمكن أن تكون
نفسية أو اجتماعية أو خلقية أو غيرها، وماهي إلاّ وحدة شخصية تعبر إلا عن ذات، والتي
هي ذات الإنسان.
1 - . 5099 ، ص، 29 ، عماد سامي سليمان: حرّر ذاتك منك، دار الفارابي ، بيروت، لبنان، ط 9
2 - . 9122 ، ص، 20 ، سيجموند فرويد: الأنا والهو، ت: محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، بيروت، ط 2
3 - . 9122 ، ص، 22 ، نسيم ناصر: معرفة الذّات، منشورات عويدات،.بيروت، لبنان، ط 2
على كل حال تكون الانا هي وحدة الذّات، وهي ذلك المبدأ الذي تنسب إليه حالة الفرد
الأنا الذّات، والذّات هي كلّ ما يشتمل عليه هذه الذّات من « أو فعاليته. ومن هذا فإنّ
خصائص نفسية عقلية أو مزاجية ودفاعية، ومن أفكار وطموحات وصراعات، وتوترات
وحاجات فيزيولوجية، وحاجات نفسية، كالحجات للحب أو الانتماء أو الأمن و تحقيق
(» الذّات 1 (؛ ومن هنا يمكننا القول أنّ الذّات هي الأنا وكلاهما يعبران عن مجموعة من
الأفكار والتصورات، وكذا الإدراكات السلوكية، وكما أنهما الإ ا ردة والإدراك للفرد، فهما إدراك
العقل للواقع، ومن ثمّ تحويلهما إلى تجربة ملموسة من خلال الممارسات اليومية التي يدركها
العقل.
والأنا حسب ''ديكارت'' مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمعرفة والعقل والفكر، وهذا حسب
مقولته الشهيرة ''أنا أفكر إذا أنا موجود''؛ إذن فالأنا يقابلها الآخر، كما أنّهما يعتبران خلقين
لبعضهما ؛ حيث أنّ الذّات لاتثبت وجودها إلاّ من خلال تواجد الآخر وتداخلها معه.
2 6 الآخر ) - L’autre :)
إذا كان الإنسان بطبعه يتميز بشخصيتة التّي تشعره بذاته، ويكون ذلك الشعور لا
معنى له من دون الآخر، لأنّ الإنسان يتعامل ويتفاعل مع الآخر أو الغير.
أنّ « : والآخر هو المقابل للأنا والمثيل له، وهذا ماأكده الباحث شاكر عبد الحميد بقوله
الآخر قد يكون أحد الأفراد، وقد يكون جماعة من الجماعات أو أمّة من الأمم، فالآخر قد
1 عمرو عبد العلي غلام: الأنا والآخر ''الشخصية العربية والشخصية الإسرائيلية في الفكر الإس ا رئيلي -
. 5002 ، ص 01 ، المعاصر''، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط 9
(» يكون قريبا أو يكون بعيدا أو قد يكون صديقا وقد يكون عد وا 1 (؛ ومن هذا القول ندرك أنّ
الآخر يتخذ أبعادا مختلفة فهو قد يكون مختلفا عن الأنا، فهو نقيض له، ويمكن لهذا الآخر
أن يحمل صفة الخير أو الشر اتّجاه الأنا.
اولجدير بالذكر هنا أنّ الآخر يمثل الشخص المختلف عن الأنا، ونجد أنّ الأنا والآخر
هما مجرد ضمائر سردية مستخدمة في الروايات والقصص والحوار، وكل الاعمال الأدبية
وحتى في الحياة الواقعية وفي الحقيقة أنّ استعمال أيّ من ضمائر السرد تستدعى حضور
الأنا والآخر.
الآخر هو الضد، المختلف والنقيض للأنا بما يحمله « وعند وجودهما مع بعض فإنّ
(» من صفات وخصائص وقيم متنوّعة ومتباينة 2 (؛ ومنه يكون الآخر هو الشخص الذي يقابل
الذّات، فهما يختلفان من حيث الصفات والقيم، كما أنّ الآخر يبسط للذّات قيمة الوجودية.
كما يعتبر الآخر الجانب الذّي يقابل الأنا إضافة إلى كونه مفهوم جوهري ومن
الباحث جان فارو في « : مقوّمات الذّات، ولا تكون كذلك إلاّ من خلال وجود الآخر، كما قال
بحثه له بعنوان ''الآخر من حيث هو اخت ا رع تاريخي'': ثمّة نزعة إلى طرح التساوي
"الإنسان= وعي" على أنّه تساوي بديهي، والحال أنّ من يسلم بالوعي يسلم بإد ا رك الذّات من
1 عمرو عبد العلي غلام: الأنا والآخر ''الشخصيّة العربية والشّخصية الإس ا رئيلية في الفكر الإسرائيلي -
. المعاصر''، ص 95
2 محمد جلال و محمد كمال سرحان: الذّات والآخر في الجب في كونبهاجن، مجلة جامعة الناصر، صنعاء -
. اليمن، ع 6، ديسمبر 5092 ، ص: 522
(» حيث هي فرد، فيسلم إذن باكتشاف الآخر 1 (؛ وذلك أنّ البحث بين الأنا التي هي الذّات
التي تعتبر تساوي بديهي بالآخر الذّي يمثّل الأنا الجمعية، حيث أنّ في نضره الذّي يسلم
بالذّات الفردية يجب أن يحتوي ويناقض الجانب الآخر، لأنّ الآخر خلق من أجل الأنا، وأنّ
الآخر هو الذي يعكس للإنسان الصّورة الحقيقيّة التّي يكوّنها عن نفسه.
مركب من صفات وخصائص النفس البشرية والاجتماعية « والآخر هو عبارة عن
والسلوكية والفكرية، ينسبها فرد ما إلى الآخرين، وكل تعريف يطلق على ''الأنا'' من شأنه أن
(» يطلق على ''الآخر'' أيضا 2 (؛ أي أنّ الآخر من منظور علم النفس هو مجموعة من
السلوكات الاجتماعية والنفسية والبشريّة والفكرية التي ينسبها فرد أو جماعة إلى الآخرين،
والأنا ترتبط بعلاقة اختلاف من حيث الجنس أو الفكر مع انا أخرى، وبينما تكون الأخيرة
هي الآخر.
في الأخير يمكن القول أنّ الآخر ماهو سوى بنية رمزية تساعد الأنا على تحقيق
وجودها.
1 عمرو عبد العلي غلام: الأنا والآخر ''الشخصية العربية والشخصية الإسرائيلية في الفكر الإسرائيلي -
. المعاصر''،ص 99
2 - . المرجع نفسه: ص 92
)*( جاء في لسان العرب عن ''الآخر'': أنّ الهمزة والخاء والآرآء أصل واحد ترجع عروبه، وهو خلاف التقدم، -
وهو قريب مما مضى ذكره، إلاّ أنّ قولنا آخر الرجلين، وقال الآخر هو لقول ابن دريد )أستد ملائمة وأحسّ
مطابقة وآخر جماعة أخرى(، ص 60 ، معجم مقايّيس اللّغة، أبو الحسن أحمد بن فارس زكرياء.
3 6 الصراع بين الأنا والآخر: - -
أخذت العلاقة القائمة على الصراع بين الانا والآخر أهمية كبيرة في الدراسات الفلسفية
والنقدية، إذ أنّها بكلّ بساطة تمثل مسألة جدلية وجدت منذ وجود الإنسان على الأرض، لأنّ
العالم إردتان، ومنها تكون هناك إرادة مقابلة للإ اردة الأخرى، وهذه ا لنائية هي مجّ د حدود
فاصلة بين ذاتين مختلفين، وذلك في حالة عدم اتفاقهما وغياب الاحترام والتبادل يؤدي إلى
خرق وتشكّل الصراع بينهما.
واقع الحياة، بل إنّ الصراع هو قانون « وهكذا فإنّ فكرة الصراع تأخذ دائما حضورها في
( » الحياة الأزلي الذي يحكم علاقات الأفراد ويحدها 1 (؛ فالصراع إذن وجد أساسا لعلاقة الأنا
والآخر، ولذلك احتلّ مكانة متميّزة في فكره، إذ يعتبر هو الأساس للوعي والوجود، وبه تدرس
طبيعة العلاقات الموجودة بين الأفراد والجماعات، فهو صراع موجود منذ الأزل يكون بين
طرفين، فهو في الأخير يؤدي إلى التناقض والنفي السلبي بينهما.
إنّ الصراع القائم بين الأنا والآخر يعني الفصل ونوع من التنازع والتصادم بين
وعادة ما ينظر الأنا إلى نفسه على أنّه « الطرفين، ويكون واحد منهما مختلف عن الآخر
( » الأكمل والأصوب والأفضل، والآخر هو الناقص والخاطئ والأسوأ 2 (؛ حيث أنّ الأنا دائما
ما يرفع من قيمته عن الآخر، إذ أنّه يعتبر الآخر من الهامش ويصفه بالأسوأ والخاطئ،
1 الحويطات مفلح: الأنا والآخر في شعر المتنبي: دراسة في إشكالية الظاهرة وتجليتها، الحويطات مفلح، المجلة -
. العربية للعلوم الإنسانية، الكويت، مج 22 ، ع 929 ، الكويت، 5092 ، ص 922
2 - . خليل عودة، جدلية العلاقة بين الأنا والآخر في سيناريو جاهز لمحمود درويش، ص 09
وهذه العنصرية بين الأنا والآخر تمثل النظرية العدائية أو الضدية بينهما وعدم الاتفاق
بينهما.
إنّ الصراع بين الأنا والآخر صراع يعود إلى البدايات الأولى لوجود الإنسان على هذه
الأرض، وهذا الصراع قائم على ثنائية الانشاء وتكمن في علاقة التضاد بينهما.
وعلى سبيل المثال نأخذ الم أ رة والرّجل اللذين يمثّلان الأنا والآخر، الرّجل )الأنا(، الم أ رة
ظلّت « )الآخر(، وفي الدراسات العربية والأدبية تشكّل الصراع بين المرأة والرّجل، حيث
هيمنة الرّجل تلعب دو ا ر في إقصاء المرأة، بوصفها كائنا أضعف، ففي الوقت الذّي حافظ فيه
الرّجل/ العنصر الأقوى، على صدا رته نرى أنّ الم أ رة كائن أضعف بقيت تعاني الإقصاء
(» والتهميش والاستلاب 1 ( ومنه فالرّجل في المجتمعات يتصف بالقوة والشجاعة على عكس
المرأة التّي ينظر إليها أنها كائن أكثر ضعفا وأكثر قهرا، فهي تعيش حالة التهميش والاحتقار
من طرف المجتمع المتسلط.
إنّ قصة المرأة والرّجل بوصفهما القوي والضعيف واللذين يمثلان ''الأنا'' و ''الآخر'' في
الأدب والشعر الذي نوقش بقوّة إقصاء المرأة عند بعض الشعراء، مثلما نجد في قصائد
المتنبي الذي لم يولي الاهتمام إلى المرأة ودعا إلى تهميشها، حيث قال) 2 :)
إاذا ا غادرتْ ا حسْاناء وافتْ بعدها *** فمن عهدها أنْ لا يدوام لها عه د
1 هيثم كاظم صالح: استنطاق ظاهرة العنف، د ا رسة في شعر أبي الطيب المتنبي، مجلة أبحاث البصرة )العلوم -
. 5095 ، ص 22 ، الإنسانيّة(،.جامعة البصرة، الع ا رق، مج 22 ،ع 9
2 المرجع نفسه: ص 29 ، من قصيدة المتنبّي ''لقد حازني وجد بمن حازه بعد''. -
وانْ ا عشِاقتْ كاانتْ أا ا شدُ ا صباابةٌ *** وانْ افاراكتْ فاذْ ا هبْ فما افاراكاها اقصْدٌ
وانْ ا حاقاقتْ لمْ ايبْاقى في قلبِها رضى *** وانْ ارضيتْ لم ايباقى في قلبها ا حقْ د
من خلال هذه المقطوعة الشعرية نلاحظ بأن المتنبي لم يتوان في ذمّه للم أ رة.
إنّ جدلّية الأنا والآخر هي جدلية افت ا رضية يكون فيها وجود الأنا على حساب الآخر،
ويكون أيضا إلغاء الآخر لصالح الأنا، وهنا تخلق علاقة التضاد والصراع بين الأنا والآخر،
وذلك بإعطاء الأهمية البالغة للأنا والغاء الآخر، وهذا ما نجده في بعض الخطابات العربية،
هيمنة الأنا في « حيث أنّ هناك تعظيم وتمجيد للأنا وكبت والغاء كلي للآخر، وتكون
الخطاب تعني في أغلب جوانبها إلغاء الآخر، ولم تأت هذه الظاهرة من فراغ، بل تولّدت
عبر طرق أهمّها الثقافة العامة للمجتمع، والإنسان بطبعه يميل إلى حب التملك، واستظهار
(» الأنا، وهذا أمر طبيعي غير أنّ هيمنته على الخطاب أمر غير طبيعي 1 (. إنّ الأنا تكون
في الخطاب للفت الانتباه إلى نفسها فقط، وتلغي الجانب الآخر منها. وكانت هذه الظاهرة
موجودة في إطار الثقافة العامة للمجتمع، لأنّ الإنسان في الحقيقة ان يحب نفسه والإعلاء
من منزلته، وهذا أمر فطري خلق مع الإنسان، ولكن في الخطاب أمر لا يعقل وذلك ما يولد
العنف والتضاد بين الثنائيتين، إذ أنّها تعتبر الآخر يتّسم بالضعف والجهل، وقامت بإلغائه
الكلي واحتقار حقوقه.
1 - . هيثم كاظم صالح: استنطاق ظاهرة العنف، دراسة في شعر أبي الطيب المتنبي، ص 21
قطع جسرو التواصل مع « إنّ المبدع حين يدّعي تفرده في الخطاب، يعني ذلك
الآخر، ومن ثمّ التأسيس لظاهرة أكبر تصل إلى حد العنف، كنتيجة نهائية للت فد، فالآخر
(» يصبح مشوها، ومهمشا في نظر الأنا المتمرّدة والمتسلطة 1 ( فالأنا تظهر في الخطاب
متمرّدة وهي تكون بعيدة كل البعد عن الآخر، ويكون هذا الآخر غائبا عنها وتلغيه ''الأنا''
بشكل كلّي بعدم التواصل معه، وهذا حتما ما يشكل نوعا من العنف بينهما، وذلك نتيجة
عدم إعطاء صورته الحقيقية للآخرين بحيث أنّها قللت من شأنه، ويبقى في الأخير مشوّها
ومهمشا على عكس ''الأنا'' المعظمة.
إنّ الصراع بين الأنا والآخر صراع وجود وكلّ واحد منهما يرى في نفسه أفضل الخلق،
ويتشكّل هذا الصراع من النشاط الذي يقوم به الإنسان على ذاته، وهو إثبات الحرية للذّات،
ورفض الآخر في حياته لأنّه لم يعد له قيمة مميّزة عنده، وهذا الصراع القائم مع الأنا والآخر
يقودنا إلى جدلية السيّد والعبد.
السيّد يتعرّف « وهذه العلاقة القائمة على أساس السيد والعبد الخاضع تحيلنا إلى أن
إلى ذاته بصفته حرية، حرية لم تعد فقط قيمة ذاتية، ولكّها صارت حقيقة موضوعية بفضل
اعتراف الآخر بها )العبد( ويتماثل هذا الأخير، وقد فضل الحقيقة المحسوسة، مع
الشيئيّة) choséité (») 2 (، ويكون السيّد عبدا لنزعة السيطرة وحب التملّك وح رية الذّات، وهذه
1 - . هيثم كاظم صالح: استنطاق ظاهرة العنف، دراسة في شعر أبي الطيب المتنبي، ص 20
2 سعاد حرب: الأنا والآخر والجماعة، د راسة في فلسفة سارتر ومسرحه، دار المنتخب العربي، بيروت، لبنان -
. 9112 م، ص 09 ، ط 9
الحرية الذّاتية موضوعية حقيقية، وذلك بفضل اعتراف الآخر الذي يمثل العبد وما على هذا
الأخير إلاا القبول بهذه الحقيقة.
كما نجد الفيلسوف الألماني ''هيجل'' الذي اتّخذ مفهوم هذا الصراع القائم بين السيّد
مقاتل يبحث عن الاعتراف به، وما إن يحصل « والعبد، إذ وصف السيّد بأنه في الأصل
عليه حتى يصير سلبيا، ويندفع في استهلاك الأشياء التي حولها العبد، ويصير هذا الأخير
(» السيّد الحقيقي للتاريخ 1 ( حيث أنّ السيّد حسب نظره مقاتل ومسيطر وبأنّ وجوده لذاته
يقطع صلته بالطبيعة وأشياءها، فهو إذن يبحث عن الاعتراف بحرية ذاته وتكون هذه
بالرغبة في القطيعة مع الأشياء والطبيعة التي يتصارع العبد معها من أجل الاعتراف بوجوده
ليصبح الأخير سيّدا على الطبيعة وتاريخي لمقاومته ذلك للسيّد.
بين القوى الفاعلة والقوى الارتكاسية، ولا تحدّد هذه « كما بيّن ذلك دولوز، في الص ا رع
القوى كميا بل نوعيا، كالقوى الفاعلة هي الشيء، النبيل، العالي، والقوى الارتكاسية هي
العبد، السافل، وقد أدى صراع هذه القوى، كما يظهر ذلك التاريخ إلى انتصار القوى
(» الارتكاسية 2 (. وحسب ''دولوز'' وصف الصراع بين السيّد والعبد ونادى بالقوى الفاعليّة
للسيّد والقوى الارتكاسيّة للعبد، ورغم مدح السيّد ووصف العبد بالسافل والضّعيف، إلاا أانه
وجد القوى الارتكاسيّة منتصرة في ذلك الصراع القائم، فهو يستعيد انسانيته التي فقدت في
1 - . سعاد حرب: الأنا والآخر والجماعة، دراسة في فلسفة سارتر ومسرحه، ص 01
2 - . المرجع نفسه: ص 92
الصراع، وبانتصارها لازال السيّد يمنع من إنجاز فعلها وتبقى في الأخير قوى ارتكاسية
تعمل على تدمير ذاتها من أجل خدمة السيّد.
كائن محارب، والأرستق ا رطي، عند نيتشه، « أ رينا، أنّ السيّد عند هيجل هو في الأصل
(» هو في الأصل كائن ق وي، خشن، وقوّة جسمانية في الأصل، ولكونهم يفضون حياة وقوّة 1 )
وأ رى هيجل أنّ السيّد محارب وشجاع في صراعه مع الآخر، ونفس الشيء أيضا بالنسبة
لنيتشه الذّي اعتبر أن القوي لا يمكن أن يستسلم في الصراع حتى أنّه يقيم الحرب مع نفسه،
وذلك لكي يرفع من مست وى وجوده ويمثل الحياة والقوّة، وذلك للتغلب على الحيّة السلبية،
فالسيّد لا يمكن ان يحافظ على مكانته الاجتماعية ومصيره إلاّ بالصراع مع العبد والانتصار
عليه.
في الأخير يمكن القول بأنّ الصراع الجدلي القائم بين الأنا والآخر يعتبر السبيل الوحيد
لتحقيق الوعي والوجود الحقيقي للذّات، ولا يتأتى هذا الوجود إلاّ عبر الصّراع مع الآخر.
7 الذّات والسرد: -
1 7 ماهيّة السرد: - -
تنبع أهمية السرد من خلال حضوره الفعال في حقل الدراسات النقدية الحديثة، ويبدوا
أنّ الأدب العربي بحاجة ماسة إلى ذلك، لما يحتويه من موضوعات مختلفة تخدم طبيعة
العمل الأدبي من حيث التحليل والبناء ورفع سويّة العمل الأدبي باعتبار أنّ السرد مصطلح
أدبي فنّي، بحيث أنّ علم السّرد يتداخل مع الرواية بالأساس.
1 - . سعاد حرب: الأنا والآخر والجماعة، دراسة في فلسفة سارتر ومسرحه، ص 92
إنّ الذّات الساردة تنتقل بالتلقي إلى محطات متعددة الأغ ا رض، هذه المحطات تفضي
إلى مساحات واسعة وشاسعة بأسلوب قصصي ور وائي لحياة الشخصية نفسها، وعبر "بول
إنّ الهوية السردية تجمع طرفي السلسلة: ديمومة الزمن في الطبع، « : ريكور" عن هذا بقوله
(» وديمومة المحافظة على الذّات 1 (؛ بمعنى أنّ السيرورة الزمنية والذات متلازمان أي أنّ
الذّات فاعلة في الزمن والزمن فاعل فيها، وهذا ما يعبر عنه السرد، ويعتبر السرد وسيلة
جبارة في نسخ واعادة تكييف الأحداث الواقعية في توزيعها في ثنايا النص الروائي.
الذّات الساردة هي كائن تمثل محور الر واية، إذ يمكن ألا نسمع صوت المؤلف «
(» إطلاقا، ولا صوت الشخصيات، ولكن بدون سارد لا توجد رواية 2 (؛ الذّ ات الساردة هي
كائن تمثل محور الرواية، إذ يمكن أحيانا ألا نسمع صوت المؤلف، بل يوحي إلى بعض
الأشياء التي تدل على ذلك، ولكن لا وجود لأيّ رواية بدون سارد يسرد لنا أحداثها ويمكن
أن يكون ظاه ا ر أو خفيا.
شفويّة كانت او مكتوبة( والصّورة )الثّابتة كانت او (« اولسرد يمكن أن يحمل اللغة
(») متحرّكة 3 (؛ هنا نقصد أيّ سارد يجب أن يمتلك لغة، فالسّرد يمكن أن تحتملها اللّغة، سواء
1 5092 ، ص - ، فايز صلاح عثمانة: السرد في رواية الذاتية العربية، مؤسسة الوارق للنشر والتوزيع، عمان، ط 9
.55 ،59
2 عمي ا رت أسامة: تشكيل الذّات الساردة في الثقافة العربية، بحث في الإنجاز والمحتوى، جامعة محصد البشير -
.6 ، الإب ا رهيمي، برج بوعريريج، ص 2 oussamaamirat@hotmail.com
3 - - عمي ا رت أسامة: تشكيل الذّات الساردة في الثقافة العربية، ص 6 2
شفويّة ينطقها الكاتب مباشرة مثلا: الخطابات والمقامات، أو المكتوبة يجسدها بإبداعاته
وفنّياته داخل الرواية: قصّة، أقصوصة إلى آخره من الإبداعات.
2 7 علاقة الذّات بالسّرد: - -
السرد عنصر أصيل في الرواية، يتميز بالرتابة والشمولية وبالقدرة على تسريد «
مكوّنات الذّات، وعناصر الهوية، فالأمم على الدوام تكون في أمسّ الحاجة إلى السرد لبناء
كيانها وتحرير ذاته من كافة أشكال الهيمنة غير ما ينتجه التخيل واستراتيجياته من آفاق
(» غير محدودة 1 (؛ بمعنى أنّ السرد عنصر أصيل ومهم داخل الرواية، فهو شامل لكّ
جوانبه، كما أنه تلك العملية الإجرائية التي تنتج عنها في الرواية، فهو يتميز بالشمولية لا
حدود له، يتّسع ليشمل مختلف الخطابات سواء أكانت أدبية أو غير أدبية، فالأمم بحاسة
ماسة إلى السرد ، فهو يشكل صورة على مجتمعه وتاريخه وقيمه وموقعه، وعن الآخر وكل
ما يتصل به، وذلك لكي يثبت ذاتها وتحررها من كل أشكال الهيمنة، وذلك عبر ما ينتجه
واستراتيجياته من عدة آفاق غير محدودة.
الفعل السردي الخلاق الذي ينتج المعنى « إنّ المتخيل الأدبي في السيرة الذّاتية هو
السردي للسير ذاتي، لأنّ أهم ما يميزه هو ارتكازه على ثنائيّة التفكير والتذكر، فإنّ دراسة
مقوّمات الملفوظ السير ذاتي يستدعي الوقوف على جدلية ما بين الظاهرتين وكيفيات تفاعلها
1 ذهبية جوادي: السرد وتشكيل الهوية، قراءة في رواية ''البحث عن العظام'' للطاهر جاووت، مجلة مخبر -
. 5092 ، ص 92 ، أبحاث في اللغة والأدب الجزائري، جامعة بسكرة، الجزائر، ع 92
(» بغية إنتاج ما نصطلح عليه بمشروع بناء الهوية السرديّة في السيرة الذاتية 1 (؛ بمعنى أنّ
المتخيل الأدبي في السيرة الذّاتية هو الفعل السردي الذّي ينتج المعنى السردي، وذلك بنسج
واعادة تكيف الأحداث الواقعية والمتخيلة )أي المزج بين الواقع والخيال( وأهم ما يميزه هو
ارتكازه على ثنائية التفكير والتذكر.
المرآة التي يلتقي فيها الفرد مع ذاته، « و أكد جورج غاسدورف أنّ السيرة الذاتية هي
وهذا التماهي مع الذّات يحضر للتعبير عن أحاسيس ال رضا عن النفس والاعتزاز بقدرات
(» الذّات ومواهبها وسيماتها المنفردة 2 (؛ بمعنى أنّ السيرة الذّاتية )أو السرد الذاتي( هي المرآة
التّي يلتقي فيها الفرد مع ذاته، فالشخص عندما يريد أن يقوم بسرد شيء ما يلتقي مع ذاته،
وذلك للتعبير عن أحاسيس الرضا عن النفس والاعتزاز بقدرات الذّات الخلاقة ومواهبها في
سرد تلك الأحداث، فالذّات الإنسانية بسماتها المنفردة، فهذا ما يميز الذّات على غيرها
)تتميز بالانف ا ردية( بما يسمى بالأنا، فلها قدرات ومواهب وسيمات تميز عن غيرها.
1 الشيخ سلطان بن محمد القاسمي: انعكاسات القراءة في سرد الذات لريم العيساوي، منشورات الشيخ القاسمي -
.65 ، تونس، 5099 ، ص: 69
2 - . المرجع نفسه: ص 65
تعبيريا لخبرتها، وطريقة للتواصل وشكلا لفهم « و تتجلى أهمية السرد بوصفه تجسيدا
( » العالم، وأنفسنا في النهاية 1 (؛ بمعنى أنّ السّرد هو طريقة للتواصل وشكلا لفهم العالم، فهو
عنصر أصيل ومهم، فاعتباره عملية إجرائية في الرواية أو أيّ عمل أدبي بحيث يشكل
صورة عن مجتمعه وتاريخه، فيكون شكلا آخرا لفهم العالم من جهة وأنفسنا من جهة أخرى.
الفناء من خلال تأصيل الهوية، فالهوية تحلّ في « كما أن السرد هو صراع الذّات ضدّ
السرد وتنتشر فيه، ومن هنا ينشأ الالتباس بين الهوية والسرد، وكأن حضور أحدهما نفي
(» للآخر، إذن العلاقة بين الذّات والسرد ليست علاقة تنافرية طاردة، بل تواصلية متفاعلة 2 ؛)
بمعنى أنّ للإنسان ذو رغبة جامحة في فهم عالم الأشياء والسيطرة عليه، وقد ادرك بأنّ ذلك
لا يتمّ له إلاّ عبر عالم السرد، فحاول احتواء هذا العالم داخل نصوصه السردية توظيفا
وفهما وتأويلا، فهو بهذا يكافح من أجل إثبات ذاته وهويته، والاّ فإنه سيفنى ويتلاشى في
هذا الكون الفسيح.
الزمن، أنّ الممارسة السردية تعبير عن وجود « اولسرد تعبير عن هوية فردية داخل
(» وفاعلية الذات 3 (؛ بمعنى أنّ السّرد هو تغيير عن الذّات داخل دائرة الزّمن والممارسة
السردية في تلك العملية الإجرائية التّي تعبر عن وجود وفاعلة الذّات وتثبيت وجودها،
1 جينزيرو كميير ودونال كربو: السرد والهوية دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة، ت: عبد المقصود عبد -
. 5092 ، ص 02 ، الكريم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط 9
2 معي الطائي: الذّات والممارسة السردية، مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية. -
، ع 29 . ص 95
3 - . المرجع نفسه: ص 25
فالممارسة السردية تمشي جنبا إلى جنب مع الذّات، فهي تعّر عنها، فالسرد هو شيء يحكى
ويعرض بحيث يعبر عن الذّات.
( » الذات التي تنتجه فيه لغرض الفهم والتأويل « ويعتبر السرد إحدى نشاطات تلك 1 ؛)
فالسرد شيء يحكى ويعرض ويعبر عن الذات، فهي إحدى نشاطات تلك الذّات، فالذّات
تعبر على كل ما في داخلها، حيث تتأمل فيه لغرض الفهم والتأويل والتفسير.
الأدب: هناك من يقول أن الأدب مرآة، ويتردد هذا المصطلح منذ أفلاطون وحتى أيامنا
هذه، وخلافا لكل ما تقدم هناك من يحاول أن يعرف الأدب من خلال الأداة، فالأدب فن
لغوي، أو لغة الخيال، أو كيان لغوي، جسد لغوي، أو مجموعة من الجمل، وهناك من يرى
أنّ الأدب شكل جمالي خالص أو عمل فني بحث أو نظام من ال رموز والدّلالات التي تولد
في النص ويعيش فيه.
ونظرية الأدب هي مجموعة من الآراء والأفكار القوية المتّسقة والعميقة والمترابطة
والمستمدة إلى نظرية في المعرفة أو فلسفة محدودة والتي يهتم بالبحث في نشأة الأدب
وطبيعته ووظيفته.
الخاصة للعالم، وهي الصورة التي خلقتها الذّات معتمدة « اولفن تعبير عن الصورة
الشعور والوعي العاطفي...: وكمال التعبير ها هنا هو قدرة الفن على تصوير خلق الذّات
1 - . معي الطائي، الذّات والممارسة السردية، ص 22
(» لعالمها الخاص 1 (؛ بمعنى أنّ الفن بكل أنواعه هو الصورة الخاصة التي يحاول أيّ فنان
أن يعبر عن العالم بصورة خاصة و و اعية تثير كل الاهتمام، وهذا الإبداع الذي يتميز فيه كلّ
فنان هو من خلق ذاته، فلا يمكن أن يكون انسانا مبدعا دون أن يمتلك ذاتا واعية، وذلك
بالاعتماد على الشعور والوعي والعاطفة والعقل، وكمال التعبير، هنا تكمن قدرة الفن على
تصوير خلق الذّات، فالمبدع لكي يثبت جدارته يجب أن يصور كلّ ما في ذاته وكيانه داخل
إبداعه الفني، فمن لم يستطع ذلك فهو ليس قاد ا ر بل عاجز، فالفن مرتبط وله علاقة مع
الذّ ات، فلا يمكن أن تكون فنانا دون أن تكون انسانا واعيا يملك الشعور والوعي والعقل،
فالأديب له ح رية مطلقة في قوله وكتاباته، ولا يستطيع أحد أن يمنع الأديب فيما يقول
ويكتب.
العواطف والمشاعر، والأدب علم المشاعر « اولأدب تعبير عن الذّات؛ أي تعبير عن
والأحاسيس، القلب هو ضوء الحقيقة )لا العقل( أمّا مهمة الأدب ووظيفته فإنّها تتمثل في
(» إثارة الانفعالات والعواطف 2 (؛ هنا نقصد أنّ الأدب تعبير عن الذّات، فلا وجود لذلك الأدب
من دون الذّات، فالأدب يعبر عن العواطف والمشاعر. أمّا مهمة الأدب ووظيفته فتكمن في
إثارة الانفعالات والعواطف، فالمبدع يجب أن تكون مؤلفاته مؤثرة في نفسية المتلقي.
1 - - - . تعريف نظرية الأدب وحدودها. 25 95 90 https://drive.via.edu.SAsfiles.sselction
2 - ، شكري عزيز الماضي: نظرية الأدب، دار المنتخب العربي للد ا رسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 9
. 9112 ، ص 229
الشاعر من ذاته، واللغة مادة الأدب، أمّا معنى الخلق « العمل الأدبي كائن خلقه الفنان
(» الفني فهو سيطرة الأديب على اللغة بما يضيفه عليها من ذاته وروحه 1 (؛ بمعنى أنّ العمل
الأدبي خلق من ذات الإنسان، فهناك أشخاص عندما يولدون تولد معهم إبداعاتهم في
أنفسهم وداخل ذواتهم، مثل: الرسم، الغناء، الكتابة، واللغة الصحيحة والقوية هي مادة
الأدب، فالمبدع يجب أن يمتلك لغة متميزة يستطيع من خلالها أن يؤثر في غيره.
8 الذات ونظرية الأدب: هي مجموعة من الأفكار والآراء النقدية المتّسقة والعميقة -
والمترابطة والمستندة إلى نظرية في المعرفة أو فلسفة محددة والتي تهتمّ بالبحث في نشأة
الأدب وطبيعته ووظيفته، فنظرية الأدب تدرس الظاهرة الأدبية بعامة من منطلق شمولي في
سبيل استنباط وتأصيل مفاهيم عامة بين حقيقة الأدب وآثاره، وهذا ما يميّزها عن غيرها من
مجالات الد ا رسة الأدبية الأخرى، وهي تحاول تقديم إجابات متّسقة ومتكاملة حول الأدب.
الفن عامة تعبير عن الصورة الخاصة للعالم، « وفكرة نظ رية التعبير تقوم على اعتبار
وهي صورة خلقتها الذّات المبدعة معتمدة على الشعور والعواطف وكمال التعبير الفني في
(» قدرة الفنّ على تقديم تصور ذاتي خاص 2 (؛ بمعنى أن الكاتب يحاول دائما أن يعبر عن
معاناة العالم في إبداعاته، وأن ذلك الإبداع هو من صنع ذاته، فهي الأساس .
ونظرية التّعبير تنظر إلى نفسية الفنان في تفسير العمل الأدبي كما تهتم بأهمية
التّعبير عن الذّات أي العواطف والمشاعر، فمثلا عندما يأخذ الفنان الحبّ كموضوع أساسي
1 - . شكري عزيز الماضي: نظرية الأدب، ص 29
2 - . المرجع نفسه، ص 95
لعمله ينبغي أن يثير ماي كتبه في نفسية القراء والسامعين. إذن كمال العمل في نظريّة
التعبير يكمن في قدرة الفنّ على خلق الذّات لعالمها الخاص.
العواطف والمشاعر والأحاسيس وأنّ القلب هو « اولأدب تعبير عن الذات أي عن
ضوء الحقيقة، وفهم الحياة من خلاله، وليس من خلال العقل، وأنّ وظيفة الأدب إثارة
(» الانفعالات والعواطف 1 (؛ بمعنى أنّ الأدب تعبير عن الذّات به يبدع الكاتب بكل الفنيات
التي يمتلكها، فهو يحاول دائما أن يعبر عما في ذاته من عواطفه ومشاعره وأحاسيس،
والقلب هو الذي يمتلكها، أمّا العقل فوظيفته التفكير فقط . من هنا نستنتج أنّ الأدب نتاج
الفرد، بحيث يكتب الفرد عما في أعماق قلبه، وكذلك عما يتصوره في ذهنه من تخيلات،
والخيال الجميل يقود دائما إلى إنجاح العمل الفني، والتمييز بين مبدع وآخر.
ونظرية التعبير في عمومها هي انتاج الثورة البرجوازيّة تهتمّ بالكشف عن علاقة خفية
بين ذات الأديب وكيفية تصويره للأشياء.
1 - . شكري عزيز الماضي: نظرية الأدب، ص 95
ويمكن تلخيص فكرة نظرية التعبير من خلال الرسم البياني الآتي) 1 :)
نستنتج في الأخير أن الأديب إنسان مبدع يمكنه مخالفة تقاليد مجتمعه في كتاباته
أحيانا، وهذا الأمر سيجعل عمله ا رئعا ومتميز عن غيره من الأعمال الأدبية الأخرى.

الفصل الثاني: الجانب التّطبيقي

الفصل الثاني: الجانب التّطبيقي 2 تحليل شخصية الذّات: - 2 1 مكس مولر: إنسان مغترب حاول اثبات ذاته بنفسه، بتصويره لحالة الاكتئاب التي - ...