الفصل الثاني: الجانب التّطبيقي
2 تحليل شخصية الذّات: -
2 1 مكس مولر: إنسان مغترب حاول اثبات ذاته بنفسه، بتصويره لحالة الاكتئاب التي -
كان يعيشها في مختلف جوانب حياته رغم احتمائه بأحضان الطبيعة، لكن ذلك لم يمنع
الكآبة من مرافقته، فهو عندما يصرّ على شيء ينظر إليه نظرة سطحية لا يتعمق فيه،
وعندما استيقظ ووجد نفسه في فرنسا، طرح على نفسه الأسئلة الآتية مرغما: من أنا؟ وكيف
سيكون موقفي في هذا البلد؟ وكيف سأثبت ذاتي فيها؟ .وكان الشيء الذي يشعره بالحزن
هناك هو خيال الشفقة الذي كان يراه في أ عين الناس بأنّه غريب عن ذلك البلد، فالإحساس
بالخوف كان هاجسا يتملّك نفسه، فالصوت الحقيقي بالنسبة له هو الوحدة والهجرة والاغتراب
إلى بلد لا ينتمي إليه، عاش فيه غريبا عن كل ما يتعلّق به، تائها لا يعرف من أين الدخول
أو الخروج، صورة وطنه لم تفارق عينيه وحنينه إليه دائم، لأنه لم يشعر يوما بالدفيء بين
أحضان ذلك البلد. وما يميزه أنه ورث عن أبيه قريحته، ومخيّلته، إذ امتاز في صغره بالذكاء
وسرعة الخاطر، وقوّة الخيال، حيث يكاد نثره يكون شعرا لما فيه من الصور الخيالية، وكان
بيت أبيه ناديا أدبيا) 1 .)
2 2 مي زيادة: كانت مي تدرس اللغة الألمانية في القاهرة، تزوّدت بمجموعة من -
الكتب قبل الرحيل، وأضافت إلى حقيبتها كتاب ماكس مولر ''الحب الألماني'' لأنّ
السيدة البروسية قامت بقراءته عدة مرات حتى ابتهجت بمحاسنه واعجابها الكثير به.
1 - ،1111 ، فريدريج مكس مولر: ابتسامات ودموع، ت: مي زيادة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة. مصر ط 1
. ص 11
وبالرّغم من أنّها لم تكن تملك معجما ألمانيا تستعين به، إلاّ أنّها استخدمت القلم
والقرطاس لرسم تلك الخطوط البديعة بلغتها وأسلوبها، حيث قامت مي زيادة بترجمة
رواية ''الحب الألماني'' من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية باعتبار أ نها سارده ثانية
)الأنا العربية( إذ ألمت بروح الكتاب إلماما يكاد يكون تاما، على الرغم من أنّها أهملت
طائفة من الأفكار الجميلة والمعاني الراقية التي لا يمكن تجاوزها باعتبارها مغتربة،
أحست بنفس الشعور الذي كان ماكس مولر يحس به، وساندته في كل الجوانب لأ نها
عاشت حالة الاغتراب نفسها التي عاشها ماكس مولر) 1 .)
3 المقطوعات السردية: -
فريدريج مكس مولر يريد إثبات ذاته بنفسه، ويصور طريقة الاكتئاب التي يعيشها في
مختلف جوانب حياته، والعوامل الدافعة لاجتماعها رغم احتمائه بأحضان الطبيعية، لكن
على الرغم من ذلك لا يضع الكآبة رفيقة له، فهو عندما يمرّ على شيء ينظر إليه نظرة
سطحية لا يتعمّ ق فيه، وعندما استيقظ ووجد نفسه في فرنسا أرغم على طرح الأسئلة الآتية
على نفسه: من أنا؟ وكيف سيكون موقفي في هذا البلد؟ وكيف سأثبت ذاتي فيه؟. أسئلة
كثيرة جعلته انسانا جديدا يفكر بذاته وكيانه ووجوده. حصر فريدريج ماكس مولر نفسه مع
1 - .11 ،11 ، الرواية: ص 11
ذكرياته التي أصبحت تسيطر على فكره، حيث قسمها إلى عدة فصول، وكل فصل يحيل
إلى حدث مهم) 1 :)
3 1 الحدث الأوّل: - -
يتمثل الحدث الأ ول عند فريديريج مكس مولر صورة طفولته التي اشتاق إليها بكل ما
تحمله من أسرار و ميزات والتي مرّت بسرعة البرق دون ان يحس بها، إذ شبّهها بغابة هادئة
مسحورة. ومن المعروف أنّ طفولة الإنسان مليئة بالدهشة والسعادة والطمأنينة، والر
النفسية، فهو يصوّر لنا أنّ العالم هو ملك له، ولا توجد فيه بداية ولا نهاية؛ أي أنه يعيش
بصفاء قلبه.
3 2 الحدث الثّاني: - -
يتذكر فيه ماكس مولر الكنيسة ذات الصليب التي كانت على مقربة من بيته، والتي
سماها ''بكنيسة طفولتي''، بحيث قام بوصفها بدقّة شديدة، لما تحتويه من حارائر قرمزية،
وأشجار الليمون المنتصبة بين ساحاتها المنتصبة برائحتها التي تنعش أنفاس كل مار بها،
والجرس الذي يتردد صداه من أعالي قصورها.
3 3 الحدث الثالث: - -
يتذكّر فيه مكس مولر وهو في سن السادسة كلمة ''الأمير والأميرة''، وكل ما يدور
داخل الحرم الملكي والذّي كان يذهب إليه ليشارك الأمراء ألعابهم، وتعلم اللغة الفرنسية
معهم.
1 - .13 ،11 ،12 ، الرواية: ص 11
3 4 الحدث الرابع: - -
يذكر فيه مكس مولر إلى أنّه عندما كبر أحس باختلاف الحياة عمّا كانت تتصوره
مخيلته من قبل، وبعد مرور أعوام كثيرة يعود الطالب إلى وطنه، وفي قلبه اشتياق إلى كل
ما تركه من خلفه أثناء رحيله.
3 5 الحدث الخامس: - -
يقرّ هنا مولر باتّساع فكره، حيث اكتشف بأنّ روحه لم تكن فارغة، بل كفيلة بإخراج
البراعم والأزهار إلى الوجود، والحياة، فهو يتذكّر تلك المرأة التي كان يحبها، والمصوّر
الإيطالي، اوللاّهوت الألماني، وكلاما يتعلق بالماضي يدرسه من جديد، وكأنّه لم يعش يوما
في ألمانيا.
3 6 الحدث السادس: - -
يتحدّث فيه مولر عن طبيب البلدة الذي كان صديقا للجميع، والذّي كان السبب في
دخول الأطفال على يده إلى عالم الأبوة والأمومة، لكنه على الرغم من ذلك مازال يعاملهم
معاملة الأب لأبنائه.
3 7 الحدث السّابع: - -
يصور مولر هنا بتلك الجبال الشاهقة والأودية العميقة والوهاد الغائرة والشلالات
المتدفقة التي احلّت ذاكراته وألهمت شعوره، وأيقظت عينيه واشتياقه لها.
3 8 الحدث الثّامن: - -
يمدح فيه الكاتب حبيبته التي سماها بفتاة الجبال، والتي أبدع في تصويرها، فهو
يودعها بمجموعة من الكلمات الجميلة، متأ لما لفراقها.
3 9 الحدث التاسع والذّكرى الأخيرة: - -
يقرّ هنا مولر بحب فتاة الجبال الذي سيطر على قلبه، فهو يسرد لنا مأساته ومعاناته
من ولعه بتلك الفتاة، فهو قد ضحى بسعادته من أجلها، وهي على فراش الموت ) 1 .)
4 دراسة الشخصيات والأماكن والفضاءات: -
4 1 في الذّكرى الأولى: - -
في الذّكرى الأولى يتحدث الكاتب عن طفولته وما تحمله من ميزات و أسرار ، إذ كانت
ذكراه ذكرى غابة مسحورة، فعندما يفتح الطفل عينيه يجد نفسه أمام عالم يسمى في نظره
بدهشة السعادة، وعندما يتفحص روحه يجدها مملوءة بالحياة الجديدة الفائضة، فهو مشتاق
إلى طفولته التي رسمها في ذهنه على شكل مجموعة من الذكريات ، وعندما استيقظ حصر
نفسه مع ذكريات صباه، وقبض الصيف، وحزن الخريف، وزمهرير الشتاء، وكلما مشى
خطوة إلى الأمام يتذكّر شيئا ويعود إلى الوراء ليتحدث عن النجوم التي فتح عينيه عليها،
وهو يضع في مخيلته وذهنه أنها تعرفه كما يعرفها ، والعشب الأخضر الذي يموج ويهتر
ويطن ويهمهم، فهو مستغرب من الجماعة التي سماها بالمخلوقات الصغيرة المجنّحة،
بالإضافة إلى عطر البنفسج، وجماعة الكواكب، والكنيسة القديمة التي سماها بكنيسة
طفولته.
. الشخصيّات:
فريدريج مكس مولر الشخصية الرئيسية في الرواية.
1 - .21 ،53 ،32 ،31 ، الرواية: ص 31
الفضاء: مفتوح فهو يذكر كلّ ما هو في الطبيعة والخارج وأحيانا يكون الفضاء مغلق،
وذلك عندما يحصر نفسه مع ذكرياته )فضاء نفسي(.
المكان: أما المكان فق جسده في ذكرياته الجميلة ومميزاتها، في البداية حصرها في
فكره، وجسدها في مخيلته وذلك بحجم درجة الاشتياق الذي شعر به، ثم ذهب ليتحدث عن
الفضاء المفتوح بوصفه للطبيعة بما فيها من عشب أخضر وعطر البنفسج والنجوم اللاّمعة
( 1 .)
4 2 في الذكرى الثّانية: - -
عندما كان فريدريج مكس مولر في سنّ السادسة أتيحت له الفرصة بالذهاب إلى
الكنيسة رفقة والده، والتع رف على الأمير والاميرة والثناء الكبير الذي لقيه منهما إضافة
إحسانهما وعطفهما على الفقراء، والعدل والانصاف اللّذان يطبّقانه على وجه الأرض في
معاقبة الأشرار ، فكانت الكنيسة المقر الوحيد للأمير والأميرة. وعندما وصل صعد السّلم
وقلبه يدقّ بسرعة، فجأة فتحت الأبواب، و اذا بمرأة طويلة القامة تمدّ يدها إلى يده، وهي
تحمل ابتسامة محجوبة تلعب حول تعزها بلطف وقلبي يقفز فرحا إلى شفتيّ، حيث أتيحت له
فرصة عناقها وتقبيلها، و اذا بأبيه يمسك بيديه ويدفعه، فحقبت الحيرة تقتله بسبب ذلك، فكانت
نظرة أبي لهم بأنّهم غرباء، ولا يجوز محبّتهم والتعامل معهم بهذه الطريقة) 2 .)
الشخصيات:
1 - .13 ،13 ، الرواية: ص 11
2 - .11 ،12 ،12 ، المصدر نفسه: ص 12
- فريدريج مكس مولر
- والده
- الأم
- الأمير والأميرة.
الفضاء: مغلق ويتمثل في الكنيسة والبيت الذي يقطن فيه.
المكان: الكنيسة والبيت.
4 3 في ال ذ كرى الثّالثة: - -
فغيوم الحزن لهم تبقى طويلا، فعدت إلى القصر و أ عطتني الأميرة يدّها، وأتيح لي
تقبيلها، حيث جاءته بأولادها الأماراء والأميرات وتقاسما الألعاب، وتشاركا الملاهي وكأنّه
كان يعرفهم منذ سنوات خلت، حيث كان يخرج من المدرسة ليتوجّه مباشرة إلى القصر
بالاجتماع برفاقه، والتّلذذ برؤية الصور الجميلة التي كان والده يقلبها عند أصحاب المكاتب
والدمى واللّعيبات التي كانت ترتبها والدته وراء زجاج الحواتين، فجاء اليوم الذي أتيحت له
الفرصة ليلتقي بها دون أيّ كلفة يدفعها ليتحصل عليها) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر )شخصية رئيسية(.
- الوالدة.
1 - .13 ،11 ،11 ، الرواية: ص 11
- الأب.
- الأميرة.
- أولادها الأمراء والأميرات.
- الأخ الأكبر.
- الأختان الأميرتان.
- الأمير الصغير.
المكان: القصر، المدرسة.
الفضاء: تارة يكون الفضاء مغلقا؛ أي كل الأحداث تدور داخل القصر، وتارة يكون
الفضاء مفتوحا، كالتقائه بامرأة في الطريق، وعندما ذهابه لشراء التفاح.
4 4 في الذ كرى ال ا ربعة : - -
يقول فيها مكس مولر أنّ العمر مرت منه أعواما كثيرة ولم يحفظ سوى كتب الذكرىات،
حيث قطع مراحل متعددة، ووجد نفسه يتقدم في السن، ويتذكر نفسه عندما كان يلهو في
الحديقة، إذ بدر في ذهنه تلك التغارات التي طرءت خلال فترة اغترابه عن وطنه ليعود إلى
بلدته فرحا التي وجد فيها كل شيء قد تغير وأنّ الحياة الآن شديدة الاختلاف عمّا صورته
له مخيّلته في صغره، ويعود إلى وطنه وفي قلبه نبرة اشتياق إلى كل ما تركه من خلفه بعد
رحيله، يمشي خطوة ويسمع ساعة البرج، ويمشي خطوة أخ رى ويرى كلبا هرما، وهو الكلب
الذي طالما لعب معه في الماضي، وي زيد أخرى ويرى بائع التفاح، ومعلّم الموسيقى إلى غير
ذلك من الأشياء التي سماها بهيكل التذكار) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الكونتس ماري.
- الفتاة الحسناء.
- الحارس-.
المكان: الحدائق، البلدة، الغرفة.
الفضاءات: في البداية كان الفضاء مفتوحا حيث تكلّم عن البلدة وما يحيط بها من
الخارج والحدائق وما تحمله من جمالية، وفي الشّطر الثاني كان الفضاء مغلقا وتجلى ذلك
في حديثه عن الغرفة، ودخوله إليها.
4 5 في الذكرى الذكرى الخامسة: - -
يعود إلى البيت حاءيرا حتى التعبير عن أفكاره وعواطفه تعذّر عن وصفها، حيث
أصبحت أفكا بلا ألفاظ، لم يشعر بفرح ولا بحزن، ولا بلا دهشة فائقة، إنّها تلك الفتاة
اللطيفة والذكية التي استولت على عقله، فبدأ يتصوّر نفسه بين سوافح عبرت لباب خاطره،
هي تلك الفتاة التي كان يبحث عنها، وفكر فيها، فبدأ يجتمع معها كلّ مساء، فشعر بمتانة
1 - .32 ،31 ،12 ، الرواية: ص 13
صداقتهم ورسوخها، وبعد مرور الوقت أدرك أنّ روحه لم تكن فارغة، فجرى ذلك الحوار
بينهما) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الفتاة التي كان يحبّها.
- المصوّر الإيطالي.
المكان: البيت.
الفضاء: مغلق.
4 6 في الذّكرى السّادسة: - -
طرق بابي واذا بطبيب البلدة الذّ ي كان صديق كلّ واحد منهم، والذي كان السّبب في
دخول الأطفال على يدّه إلى عالم الأبوة والأمومة، ولكن رغم ذلك مازال يعاملهم معاملة
الأب لأبنائه، مرّ وقت طويل فالتقى بصديقه الطبيب ذو العينين الزرقاوين والشّعر الأبيض
الكثيف، وعصاه الذهبية التي كان يحملها، واذا به يدخل إلى غرفته ويسأل عن أحواله،
ويحدثه عن الكونتس ماري، حيث اندهش مكس مولر ويقول كيف يهتدي غريب إلى إسرار
1 - .31 ،31 ،32 ،32 ،33 ، الرواية: ص 31
نفسي قبل أن أكون على علم تام بها، فأحس بتدفق قلبه وجيشانه وهو يسأل نفسه كيف لا
يرى صديقته التي يحبّها) 1 .)
الشّخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الطبيب.
- الكونتس ماري.
. الفضاء: مغلقة.
المكان: الغرفة.
4 7 ال ذ كرى السّابعة: - -
بنى فيها مولر اشتياقه على مجموعة من الذكريات والتصوّرات وما زالت في ذاكرته تلك
الجبال الشاهقة، والأودية العميقة والوهاد الغائرة، والشّلالات المتدفقة فهي تحتل ذاكراته
وتلهف شعوره وتوقظ حنينه واشتياقه إليها، والشيء الذي يشعره بالحزن هو خيال الشّفقة
الذي يراه في أعين الناس بأنّه غريب عن ذلك البلد، فالشعور بالخوف كان هاجسا يتملّك
نفسه، فالصّوت الحقيقي هو الوحدة والهجرن والاغتراب) 2 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر )جرى بينه وبين السيّدة الانجليزية حوار طويل(.
- السيّدة الانجليزية.
1 - .35 ،33 ،33 ، الرواية: ص 31
2 - .51 ،51 ،51 ،32 ، المصدر نفسه: ص 32
- البواب.
- الطّبيب.
المكان: الجبال، الأدغال، الفندق.
الفضاء: تارة يكون الفضاء مفتوحا، وذلك عندما يتحدث عن الجبال والشلالات
والأودية وما تحمله من أسرار وجمالية، وتارة يكون الفضاء مغلقا، وذلك عندما وجد نفسه في
إحدى الفنادق
4 8 في ال ذ كرى االثّامنة: - -
في هذا الفصل يمدح الكاتب حبيبته التي سماها بفتاة الجبال، حيث أبدع في
تصويرها، وذلك حين شبه جمالها بالربيع الذي سكب على وجهها بهاء، بتلك الفتاة التي
يبعث جمالها في الأرض نورا سماويّا، فهو الآن يودعها بمجموعة من الكلمات الجميلة،
ومتألّم لف ا رقها؛ حيث سماها بفتاة الجبال الحلوة) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- فتاة الجبال.
الفضاء: مفتوح.
الجبال )الطبيعة(. -
1 - .21 ،52 ،52 ، الرواية: ص 53
4 9 في الذّكرى التاسعة: - -
يقرّ مولر فيها بأننا أنّنا نرضخ للنّظام البديع النافذ في جميع الكائنات، فنسعد عند
الرّقاد بحلّ الرّوابط التي تقيّد ذاتنا الابدية الخالدة بذاتنا الأرضية الزائلة، فما زال حبّ فتاة
الجبال يسيطر على قلبه، والكاتب مستغرب ويسأل نفسه ويقول: لماذا نسعى إلى تفهّم نفوس
الآخرين ونفوسنا مغلقة على بحثنا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي جالت جولة كبيرة في
فكره، فهو الآن يسرد مأساته ومعاناته من حبّه لتلك الفتاة، فهو قد ضحى بسعادته من أجلها
عندما كانت على فراش الموت، لأنّ حبّه لها أقوى من حبّه لنفسه) 1 .)
الشخصيات:
- فريدريج مكس مولر.
- الطبيب )الشّيخ(.
المكان: البلدة.
الفضاء: تارة يكون مفتوحا وذلك عندما يتكلّم عن الجبال، وتارة أخرى يكون مغلقا
عندما كان واقفا أمام نافذة غرفة المستشفى.
5 _دراسة العنوان العنوان:
1 - .22 ،22 ،22 ،23 ،21 ، الرواية: ص 21
5 1 العنوان من الذكرى الأولى للثالثة: الأسرار واللحظات التي عاشها مكس مولر - -
أثناء مرحلة طفولته وتسجيلها في مجموعة ذكريات.
سرد لنا مكس مولر كلّ ما يتعلّق بمرحلة طفولته التي اشتاق إليها، وذلك بما تحمله
من أسرار ومميّزات، والتي مرّت كسرعة البرق دون أن يحسّ بذلك، مشبها إياها بغابة
مسحورة. وكانت طفولته مليئة بالدّهشة والسّعادة والطّمأنينة، والراحة النفسية فهو يصوّر لنا
أنّ العالم هو ملك به، ولا توجد فيه بداية ولا نهاية؛ وأنَ الناس يعيشون فيه على صفا
قلوبهم، فهو يتذكّر الكنيسة ذات الصّليب الأحمر التي كانت على مقربة من بيته، والتي
سماها ''بكنيسة طفولتي''، بحيث قام بوصفها بدقّة شديدة مبينا ما تحويه من حرائر قرمزية،
وأشجار اللّيمون المنتصبة بين ساحتها ورائحتها التي تنعش أنفاس كلّ مار عليها، والجرس
الموسيقي الذي يتردّد صداه من أعالي قصورها، فعندما كان في سنّ السّادسة يتذكّر كلمة
''الأمير والأميرة'' وكلّ ما يدور داخل الحرم الملكي، والذّي كان يذهب إليه ليشارك الأمراء
في العالم، وكذلك يتعلّم اللّغة الفرنساويّة معهم، وهذه هي مجموعة ذك ريات ومجموعة أسرار
ومميزات عاشها مكس مولر أثناء مرحلة طفولته) 1 .)
2 5 العنوان من الذكرى الرابعة للتاسعة: اختلاف الحياة التي كان يعيشها مكس - -
مولر في صغره والواقع الذي فتح عينيه عليه، واتّساع فكره أثناء كبره، وانقضاء فترة طفولته
عندما كبر أحسّ مكس مولر باختلاف الحياة عما كانت تتصوره مخيّلته من قبل، وبعد
1 - .11 ،11 ،11 ،11 ،11 ،12 ،12 ،12 ،13 ،13 ، الرواية: ص 11
مرور أعوام كثيرة يعود الطالب إلى وطنه، وفي قلبه نبرة اشتياق إلى كلّ ما تركه خلفه أثناء
رحيله، فهنا يقرّ باتّساع فكره، حيث اكتشف بأنّ روحه لم تكن فارغة، بل كفيلة بإخراج
البراعيم والأزهار إلى الوجود والحياة، فهو الآن يتذكّر تلك المرأة التّي كان يحبّها المصوّر
الإيطالي، اللاّهوت الألماني، وكلّ ما يتعلّق بالماضي ودراسته من جديد، وكأ نه لم يعش
يوما في ألمانيا، فهو يتحدث عن صديق البلدة الذي كان صديق كلّ واحد منهم، والذي كان
السّبب في دخول الأطفال على يده إلى عالم الأب وة والأمومة، ولكن رغم ذلك ما زال يعاملهم
معاملة الأبّ لأبنائه، وتلك الجبال الشاهقة والأودية العميقة والوهاد الغائرة والشّلالات
المتدفقة التي احتلت ذاكرته وألهنت شعوره والتي أيقظت شعوره وحنينه واشتياقه إليها) 1 )
3 5 العنوان من الذ كرى الثامنة للتاسعة: المعناة والمأساة التي سيطرت على قلب - -
مكس مولر اتّجاه فتاة الجبال.
مدح مولر في هذا الجزء حبيبته التي سمّاها بفتاة الجبال، إذ أبدع في تصوّرها، فهو
الآن يودعها بمجموعة من الكلمات الجميلة متألّم لفراقها، مقرا بحبّها الذي سيطر على قلبه،
فهو يسرد لنا مأساته ومعاناته من حبّه لتلك الفتاة التي ضحّى بسعادته من أجلها وهي في
فراش الموت، حيث شبّهها بالصّخور الرمادية، وتلك الأشجار الشّبيهة بالشعر الأصفر
1 - - .51 الرواية: 13
والشّلال المنهمر والطّريق المؤدة إلى مسكنها جميعها تطال مرسومة بخطوط الأحلام، فلم
يترك شيئا جميل لم يشبّهه بها) 1 .)
6 الحوا رية و الأسلبة: -
1 6 الحوارية: مصطلح جاء به الناقد الروسي ''ميخائيل باختين'' الذي أ رى بأنه كان - -
والحوارية التي تعني كلّ تواصل « ، وسيلة ناجعة لإعطاء نفس جديدة للبنيوية في حد ذاتها
لفظي يجري على شكل تبادل للأقوال أو على شكل حوار، فالحوارية هي العلاقة بين خطاب
(» الآخر، وخطاب الأنا 2 (؛ حيث أنّها تقوم على التواصل بين شخصين وتبادل آرائهم، وكان
الهدف من ذلك توصيل الفكرة بين الأنا والآخر، كما تدل الحوارية على تداخل خطابات
الغيرية من ملفوظ المتكلم؛ أي أنّ الحوارية هي تفاعل قائم في الملفوظ أو القول بين عوني
التلفظ ومن يتكلم ومن يوجه إليه الكلام.
دائما ذو صيغة حوار داخلي، هذا ما نجده في « و الخطاب الثنائي الصوتي هو
الخطابات الهزلية والساخرة، والبارودية، وفي هذا الخطاب التكسيري وللشخوص، وأخي ا ر في
خطاب الأجناس التعبيرية المتخللة: فهي جميعها خطابات ثنائية الصوت، ذات صيغة
حوارية داخليا، فيها جميعها توجد نبرة حوار كأن من غير منتشر، مركز على نفسه، هو
1 - - .22 الروايه: ص 53
2 صالح مفقودة: أبحاث في الرواية العربية، مجلة أبحاث في الرواية العربية، مخبر أبحاث في اللغة والأدب الج ا زئري، -
. جامعة محّد خيضر بسكرة، ص 121
(» حوار صوتين، ومفهومين للعالم وحوار لغتين 1 (، ومنه فإنّ الخطابات النصية الصوتية
ثنائية تكون على شكل حوار داخلي، كالخطابات الهزلية والساخرة البارودية، حيث يولد
الخطاب داخل الحوار مرك ا ز على نفسه، ويتكوّن داخل فعل حواري متبادل بين لغتين
وصوتين.
اللغات والملفوظات والعلامات، والروائي هو منظّم علائق « اولرواية جسم مركّب من
حوارية متبادلة بين اللغات والأجناس التعبيريّة بين لغة الماضي ولغة الحاضر
(» والمستقبل 2 (؛ حيث تعتبر الرواية مجموعة من الأفكار والملفوظات والعلامات، المختلفة
والمتنوعة ، والروائي منبع للمعرفة ومحاور لثقافته ولمجتمعه، وتكون الحوارية هنا هي امتداد
بين لغة الماضي و لغة الحاضر.
الخطاب الروائي، لأن الرواية تقوم على تعددية الأصوات « وتظهر الحوارية أكثر في
وتعددية اللغات بسبب التنوع الكبير في الشخصيات، إنّ الرواية تجمع الخطابات المختلفة،
(» وتضعها في علاقة مواجهة وتجعلها تتعايش وتتحاور، وتتعامل مع بعضها البعض 3 (؛ أي
أنّ الحوارية تظهر في الرواية كونها تقوم على تعددية اللغات، وفيها نجد الخطابات المختلفة
التي يتشكّل منها التحا ور والتعامل ، أي الحوار الذي الذي ينشأ بين الأصوات المختلفة.
1 1222 ، ص، - ، ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ت: محمّد ب ا ردة، دار الفكر للد ا رسات والنشر، القاهرة، باريس، ط 1
.12
2 - . المرجع نفسه: ص 11
3 إيمان ملكي: الحوارية في الرواية الج ا زئرية، مخطوط، إش ا رف الأستاذ الدكتور عبد الله العشي، قسم اللغة والأدب -
.11 ، 1111 ، ص، 11 ، العربي، جامعة العقيد الحاج لخضر باتنة، 1111
نظرية اللغة الحوارية، وما يقول به متوقع منذ أن أ رى « أنشأ باختين نظرية الرواية على
(» في الرواية صورة عن اللغة و أ ري في اللغة صورة حوار لا ينقطع 1 (؛ إذ في نظره الرواية
قائمة على نظريّ اللغة الحوارية التي تعتمد على الأسل وب الحواري بين الشخصيات
الموجودة في الرواية، وحسب باختين فإنَ الرواية صورة اللّغة وبطبيعة الحال تكون اللغة
صورة حوار لا ينقطع. في الرواية تكون هناك صفات الحوار وتكون تجسيدا له، وأنّ تط ور
الرواية يقوم على تعميق الحوارية.
يشكّل التهجين أحد مظاهر حوارية باختين، حيث يعمل على تحديد أساليب حضور
التهجين هو مزج بين لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ « ملفوظات سابقة في ملفوظ لاحق، و
واحد، والتقاء وعيين مفصولين داخل ساحة ذلك الملفوظ، ويلزم أن يكون التهجين
(» قصديا 2 (؛ إذ يقوم على المزج بين مجموعة من اللغات المختلفة تتعايش فيما بينها ضمن
إطار لهجة فريدة، و يجب أن يتحقّق ذلك وفق جملة من الاستدعاءات الواعية عبر انتخاب
خطابات أو تراكيب معينة قصدية.
وهكذا فإنّ الحوارية هي تفاعل قائم بين اللفظ والقول، ويتحقق مبدأ الحوارية من خلال
تحاور الأصوات داخل الرواية، حيث أنّ الرواية الحوارية هي تعبير عن مجموعة أفكار
الشخصيات التي تحقق صراعا إيديولوجيا عميقا.
1 - . إيمان ملكي: الحوارية في الرواية الجزائرية، ص 11
2 - . ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص 12
وعي لساني معاصر بأسلبة مادة لغوية ""أجنبية" يتحدث من - - « 2 6 الأسلبة: هي قيام
خلالها عن موضوعه، فاللغة المعاصرة تلقي ضوءا خالصا على اللغة موضوع الأسلبة،
( » فتستخلص منها بعض العناصر وتترك البعض الآخر في الظل 1 (؛ ومنه تكون الأسلبة في
الخطاب الروائي قد استعملت للدلالة على الطريقة في تقديم موضوع ما بخطوطه العريضة
وذلك بشكل إيحائي يبتعد عن التفاصيل مع الاكتفاء ببعض الملامح المكونة لبنية النص.
رفع القدرات الجمالية من خلال الإفصاح عن الأبعاد البلاغية المتحققة « والأسلبة تسهم في
على المستوى التصميمي لتلك الموجودات نتيجة عملية الاختزال والإضافة التي تنتجها، ومن
(» ثم نستخلص أنّ التغيّير وعدم اثبات المعنى سمة من سمات الأسلبة 2 (؛ حيث أنّ عملية
الاختزال والتكثيف في الأسلبة تتوافق مع الاستعارة والكناية وأغلب أصناف البلاغة الأخرى،
و الحذف يعطي للمؤسلب القوّة ويجعله قاد ا ر على الإيجاز وتقديم الكثير من المعاني بالقليل
من التفاصيل.
1 - . ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص 12
2 علاء عبد المجيد جاسم: الأسلبة والمتغيّرات اللبنائية في الفيلم السيميائي المجلّة الاردنيّة، للفنون، جامعة اليرموك، -
. 1112 ، ص: 21 ، الأردن، مج 11 ، ع 1
» تشخيص وانعكاس أدبيّين للأسلوب اللساني لدى الآخرين « إنّ كلّ أسلبة حقيقيّة هي
( 1 (؛ ومنه تكون الأسلبة الحقيقيّة التّي تتميز عن الأسلوب المباشر بذلك الحضور للوعي
اللساني عند المؤسلب المعاصر وعند قارئ ه الذي يعيد خلق الأسلوب المؤسلب.
اولأسلبة في إطار بنائي يجب أن ينظر إليها كآلية لتوليد صيغ بصرية أو فكرية جديدة
تح رك المخيّلة التي تبحث عن الجديد وتتوافق مع حركية الأفكار الساعية نحو غايتها.
من خلال تلك اللغة التّي سيؤسلبها والتي هي « ولا يتحدث المؤسلب عن موضوعه إلاّ
''أجنبية'' بالنسبة إليه، لكن هذه اللغة الأخيرة هي نفسها مقدّمة على ضوء الوعي اللّساني
(» المعاصر للمؤسلب 2 (؛ أي انّ المؤسلب لا يتحدث عن موضوعه إلا بعد أن يدخل على
المادة الأوليّة للغة موضوع الأسلبة التي هي مادته الأجنبية المعاصرة من كلمة، جملة أو
وهذه الأسلبة البارودية – « ، صيغة، وتكون هذه اللغة مقدّمة على الوعي اللّساني للمؤسلب
عادة للغة الخاصة بالأجناس التعبيرية، وبالمهن وبطبقات أخرى من اللغة تكون أحيانا -
مفصولة بخطاب مباشر من الكاتب )يكون بصفة عامة، مؤثّرا عاطفيا، أو غزليا، فيرجع فيه
(» مباشرة )بدون انكسار( رؤيته للعالم وأحكامه ال قمة 3 (؛ وهذه الأسلبة المسماة بالبارودية نوع
أساسي تقوم على عدم ت وافق نوايا اللغة المشخّصة مع مقاصد اللغة المشخّ صة، ويشترط في
1 - . ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص 111
2 - . المرجع نفسه: ص 111
3 - . المرجع نفسه: ص 51
الأسلبة البارودية ألا يكون تحطيم الآخرين بسيطا وسطحيا، وعليها أن تعيد خلق لغة
البارودية وكشف العالم الفريد وارتباطه الوثيق باللّغة وأحكامها.
إنّ الأسلبة تقوم على تقليد الأساليب أو الجمع بين لغة مباشرة من خلال لغة ضمنية
في ملفوظ واحد أو الجمع بين أسلوبين أسلوب معاصر وأسلوب تراثي داخل ملفوظ كلامي
واحد.
3 6 الشعور بالاغتراب: هو شعور كان يمتلك مكس مولر في فرنسا، حيث عاش - -
حالة الاكتئاب من جوانب مختلفة رغم احتمائه بأحضان الطبيعة، لكن بقيت الكآبة ترافقه
أثناء رحلته، فهو عندما يمرّ على شيء ما ينظر إليه نظرة سطحية، لأنَ الشعور بالخوف
كان هاجسا يتملّك نفسه كونه يعيش في بلد غريب عنه من حيث العادات والتقاليد واختلاف
اللغة. لقد استيقظ ووجد نفسه في فرنسا بين أناس لا يعرفهم، والشيء الذي يشعره بالحزن هو
خيال الشّفقة الذي يراه في أعينهم، فالموت الحقيقي بالنسبة له هو التجاهل والوحدة والهجران
والاغتراب إلى بلد آخر، حيث عاش فيها غريبا عن كل ما يتعلق بها، وتائها لا يعرف من
أين الدخول أو الخروج، فهو مطلقا لم يشعر بالدفيء في أحضان ذلك البلد، ولقد تبنّى
ما زلت أذكر أوّل مرّة رأيت « : اشتياقه إلى بلده على مجموعة ذكريّات بدءا من طفولته، مثل
(» النجوم وكانت النجوم تعرفني منذ زمن طويل 1 للطفولة أسرار ومميّزات، « : (، وقال أيضا
(» ولكن من ذا الذّي يستطيع وصفها 2 .)
وهذا ما علّق « : وكانت في ذاكرته صورة أمّه وأبيه اللّذان اشتاق إليهما، مثل قوله
( » بذهني من تذكارات طفولتي يتخلّلها وجه أمّي الحنونة وعينا أبي العميقتان 3 (، حيث اعتاد
مشاهدتهما كلّ يوم، وكلّما أ رى غريبا ينادي باسمه أمّه وأبيه وأصدقائه، وذلك من شدّة
أرى ملامح الوجوه التّي اعتدت مشاهدتها وأنادي أصحاب هذه « الاشتياق والحرقة إليهم، مثل
(»... الوجوه بأسمائهم: أمّي، أبي، إخوتي، أصدقائي والمعلّمون وبعض الغرباء 4 .)
1 - . الرواية: ص 11
2 - . المصدر نفسه: ص 13
3 - . المصدر نفسه: ص 13
4 - . المصدر نفسه: ص 15
مرحلة قبل الاغتراب
مرحلة الاغتراب
مرحلة ما بعد الاغتراب
مكس مولر ألماني
المولد إنجليزي
الموطن، امتاز في
صغره بالذكاء وسرعة
الخاطر، وقوّة الخيال
حتى كاد نثره يكون
شعرا لما فيه من
الصور الخيالية، وكان
بيت أبيه ناديا لرجال
الأدب، ثمّ مال إلى
د راسة اللغة الشرفية
وبرع في اللغة
السنسكريتية والفارسية
وترجم الهيتوبادسا.
مكس مولر انسان مغترب يحاول اثبات ذاته بنفسه،
فهو يصوّر طريقة الاكتئاب التّي عانى منها في
حياته ورغم احتمائه بأحضان الطبيعة غير أن الكآبة
لم تفارقه الكآبة، فهو عندما يمرّ على شيء ينظر
إليه نظرة سطحية، لا يتعمق فيه، وعندما استيقظ
وجد نفسه في فرنسا، حيث أرغم على طرح أسئلة
عديدة على نفسه من بينها: من أنا؟ وكيف سأثبت
ذاتي فيها؟ وكان يعيش في فرنسا حالة الغريب،
والشيء الذي كان يشعره بالحزن هناك هو خيال
الشّفقة الذي كان يراه في أعين الناس باعتباره غريب
عن ذلك البلد، اولشعور بالخوف كان هاجسا يتملك
نفسه. وقد بنّى اشتياقه إلى وطنه على مجموعة من
الذكريات التي كانت تنتصب أمام عينيه، فالإحساس
بصعوبة العيش في بلد غير فكان بالنسبة صعب
جدا، فكان كلّما مرّ في الشّارع ينظر إلى الناس إن
كانوا هم أيضا من الغرباء، وكلّما دخل إلى مقهى أو
فندق يحسّ أنّهم ينظرون إليه نظرة الغريب باعتباره
إنسان مهمّش بالنّسبة لهم.
وبعد مرور أعوام من الغربة
والهجرة يعود الطالب إلى وطنه
بعد غياب طويل، وفي قلبه
حرقة الاشتياق، فتحضر في
نفسه خواطر بحر تحمل
الأمواج المت رفعة نحو شاطئ
الأيام القصية، فيرى ساعة
البرج والكلب الذي طالما لعب
معه في الماضي وها هو الآن
قد كبر وشاخ، وهناك منزل
قديم حيث شيّد غيره في مكانه،
ومنزل معلّم الموسيقى وفتاة
الجيران الجميلة التّي كانوا
يتناول ون أخبارها والقصر القديم
والكنس ماري وطبيب البلدة
الذّي دخل عليه بشعره الأبيض
الكثيف وعصاه الذهبية، فوجد
كلّ شيء قد تغيّر لم يبق على
العهد الذي تركه) 1 .)
1 - .31 ،11 ، الرواية: ص 11
4 6 العنف: أثناء مدّة اغترابه لم يتع رض مكس مولر لأيّ عنف جسدي أو لفظي - -
رغم بعده عن وطنه، والعيش في بلد غريب عنه، فلم تكن نظرة الأشخاص إليه نظرة غريبة
على أنه مهمّش كما كان يظن ، فقد أحسّ بأنه غريبا إلى أبعد الحدود يعيش في فرنسا
باعتبارها المركز وهو الهامش، فالعنف الذّي تعرّض له مكس مولر هو نفسي خلقه بذاته
يوم يتلاشى لمعان العين الطاهرة « :، من خلال تخيّله بأنّ الناس ينظرون إليه نظرة الغريب
فتحلّ محلّه خيالات التعب والريب، ينظر الإنسان إلى أخيه نظرة الغريب إلى الغريب،
ويتحاشى الدنو منه في الشارع المزدحم يمر غير مسلم خوفا أن لا ترد لق التحية فتتوجع
(»... روحه 1 (، فهو دائما تائه لا يعرف من أين الدخول أو الخروج، حيث توهم قد بأنّ كلّ
دخلت ذات مساء إحدى الفنادق « شخص كان يراه يعتبره إنسانا غريبا لا مكان ولا هوية له
تعب النّفس والجسد وجلست بين الحضور، فت وجّهت أنظارهم إليّ و رأيت فيها خيال الشّفقة
(» على هذا الغريب التائه في ديارهم 2 (. لقد أرهق مكس مولر نفسه وجسده بتلك الأوهام
والتصوّ رات التّي والتي هي من صنع خياله لا غير.
5 6 اللّغة: من المعروف أنّ كلّ شخص يهاجر إلى بلد آخر يجد صعوبات كثيرة -
منها الجانب اللّغوي ، وطريقة عيش مجتمعه وكيفية التأقلم معه، ولما كان مكس مولر ألماني
الجنسية ، المجتمع الفرنسي غريب عنه في نمط العيش والعادات والتقاليد واللغة، لكنه كان
دائما يحاول إثبات ذاته وشخصيته إذ لم يستسلم أو يرضخ لأيّ عائق رغم ابتعاده عن
1 - . الرواية: ص 12
2 - . المصدر نفسه: ص 75
وطنه واشتياقه له، فمن الصّعب أن يعيش مع أناس مختلفون عنه في كل شيء، ولكن
كنت « بالرغم من ذلك بدأ في محاولة تعلم اللغة الفرنسية لكي يندمج في مجتمعه الجديد
(» أذهب كلّ يوم لأشارك الأمراء في ألعابهم، وأتعلّم معهم الفرنساوية 1 (؛ حيث أنّه لم يفقد
الأمل وبقي يتعلّم اللّغة الفرنسيّة وذلك من أجل إثبات ذاته وشخصيته نظرا لإحساسه بالعزلة
والوحدة في خارج وطنه.
6 الإحساس )الشعور(: الشّعور بالخوف والحزن كان دائما يتملّك نفسه في - - 6
فرنسا، حيث عاش حالة الاكتئاب والوحدة في بلد لا ينتمي إليه، واستيقظ ووجد نفسه بين
أناس لا يعرفهم، فالموت الحقيقي بالنّسبة له هو التجاهل والوحدة، وفي وطن ليس بوطنك
تحسّ فيه أنّك غريب وسط من هم حولك، فتشعر بأنّك إنسان ناقص بينهم، فمكس مولر في
البداية تحدث عن صباه ومشاهدته لأول مرة النجوم التي أحسّ أنّها هي الأخرى تعرفه، وفي
على أنّي ما زلت أذكر أولى مرّة أ ريت فيها النجوم، « ، نفس الوقت كان يشعر بالخوف
وكانت النجوم تعرفني منذ زمن طويل، كنت في ذلك المساء على ركبتي والدتي، ورغم ذلك
(»... سرى البرد في جسدي واستولي عليّ الخوف 2 .)
وبعد اغترابه وانتقاله إلى فرنسا ها هو يمشي والخوف يمشي من وراءه، فهو دائما كان
يحسّ بأنّ الغريب إنسان مهمّش بالنّسبة لغيره، وكان يشعر دائما بالتعب والرّيب، ويتخيّل
ينظر الإنسان إلى أخيه نظرة الغريب إلى الغريب... ويمرّ غير مسلم خوفا « شفقة الناس له
1 - . الرواية: ص 1
2 - . المصدر نفسه: ص 13
( » ألا تردّ التحيّة فتتوجّع روحه 1 (؛ فدائما ما كان يدوي في ذاكرته صوت مجهول بأنّ هؤلاء
الغرباء هم أقرب أصدقائنا وأحبّهم عندنا.
إنّ ذلك يشعر « : لقد بنى في مخيّلته مجموعة من الأوهام، والدّليل من ذلك عندما قال
بأنّ الغريب أدنى إلى الغريب من الأخ إلى أخيه ومن الأب إلى أبيه ومن الصديق إلى
( » صديقه 2 (. وعقدة مكس مولر كانت تلاحقه دائما ، حيث ذات مرّة دخل أحد الفنادق
أجلس بين الحضور فتوجّهت انظارهم إليّ، و رأيت « : وبدأت حركات مخيّلته تشتغل، وقال
فيها أخيال الشّفقة... فأمضتني جراح قلبي ومضيت أسعى تحت جنح الظّلام، حيث لا عين
(» ترى ولا شفيق يشفق 3 (، فالاغتراب اولابتعاد عن الوطن جعل منه إنسانا معقّدا يعيش في
مجموعة الأوهام اولتصوّرات بأنّ الناس ينظرون إليه نظرة الغريب، كما أن عاطفة الخوف
تتملّكه وتسيطر عليه وعلى أعصابه، حيث يتقيّظ بصره ويرهف سمعه ويطلّ إلى درجة تخيّل
(» لا شكّ أنّ الخوف كان أول عذاب الإنسان « الأشباح رغم أنّها بعيدة مبهمة 4 ( وفي بعض
الأحيان يكون تارة فرحا وتارة أخرى حزينا.
7 6 الحوار: تعدّد وكثر في هذه الرواية، حوار الأنا وحوار الآخر، مثل الحوار الذّي - -
جرى بين مكس مولر والكنتس ماري الذي كانت فيه نقاشات وأفكار بلا ألفاظ جرت بينهما
عزفها مكس مولر لنفسه في السّاعات الخطيرة، فكلّ واحد يريد إثبات ذاته ونفسه
وشخصيته.
1 - . الرواية: ص 12
2 - . المصدر نفسه: ص 11
3 - . المصدر نفسه: ص 32
4 - . المصدر نفسه: ص 32
أ حوار الأنا: لقد جرى حوار بين مكس مولر ونفسه عجز فيه عن التّعبير عن أفكاره -
وعواطفه، أفكار بلا ألفاظ قام بعزفها لنفسه في السّاعات الأخيرة لم يشعر فيها لابفرح ولا
بحزن، بلا دهشة فائقة هواجس وتصوّرات شك لها في مخيّلته، حاور نفسه، لم يترك شيئا في
لم يتصوّره، عواطفه، وأفكاره، أحلامه، بدأ شغفه يطفق ويتخيّل السّاعات الهنيئة التّي
سيقضيها مع تلك الفتاة التي سماها باللّطيفة والذكيّة، ويعود ويتوقّف ليقول أنّ هذه الأفكار
لم تكن سوى من صنع خياله عبرت لباب خاطره، هو يحا ور نفسه ويتخيّل جميع الأوقات
(» إنّها مجرّد أحلام وتوهّمات فكرت وأمّنت بها « : التي سيقضيها معها ليعود ويقول 1 .)
ب حوار الآخر: لم تجر الكنتس ماري أيّ حوار مع نفسها، بل كانت جلّ نقاشاتها -
مباشرة مع مكس مولر، حيث مرّ وقت طويل على لقائهما إذ كان يلتقيّان كلّ مساء، فزاد
ذلك من متانة صداقتهما ورسوخها وكأنّهما لم يفترقا أبدا منذ الطفولة، فكان مكس مولر
دائما يتحاور معها، حيث انقلبت أحاديثهما إلى جدّية هادئة تملئها الرصانة والجلال، فهي
لم تحاور نفسها بنفسها، كما فعل مكس مولر ، بل كانت انسانة ذكيّة واجهته مباشرة،
وحاورته بدون تخيّلات وتوهّمات كما حصل معه هو ، إذ لم ي واجها مباشرة، بل بدأ يتخيّل
(» أنّها مجرّد أحلام آمنت بها « ويتوهّم أشياء ستحصل معها 2 .)
ت حوار الأنا وحوار الآخر: جرى حوار طويل بين مكس مولر وتلك الفتاة التّي بقيت -
سوائحها تعبر لباب حاضره ممّا جعله يتخيّل جميع الأوقات التّي سيقضيها معها بعد فراقهما
1 - . الرواية: ص 31
2 - . المصدر نفسه: ص 31
الطّويل ، فكلّ منهما عاش مرحلة صعبة مليئة بالحزن، اولفراق اولاشتياق اولألم، فلم تضنّ
الكنتس انّها ستلتقي به مجددا، إذ ضنّت أنّ الموت قريب منها، وذلك عندما قام بتوديعها
ظننت الموت قريبا عندما أعصيتك الخاتم ولم اتوقّع ان أعيش هذه السنوات، ولكن « ذات مرّة
(» عشتها وتمتّعت بالجمال كثيرا، كذلك تألّمت شديدا 1 (، وأصبح الحوار بينهما طويلا وذلك
عندما أحسست أنّ ساعة الفراق قد قربت، فكلّ دقيقة عندها توازي كنوزا. وكذلك عندما
( » مساء الخير لا تبطئ غدا « : قالت 2 (؛ وكأنّها تقول أنّ الوقت والزّمن يعيش كسرعة البرق،
كأن تعرف شخصا في صغرك وفجأة تمرّ السّنين وتكبران ولا يحسّ بذلك. لقد استمرّ الحوار
والنقاش فعندما دخل عليها ذات مرّة وهي برفقة مصوّر إيطالي كان كلامهما مغمورا
بالاحترام، فزاد تقدير مكس مولر لتلك الفتاة، وذلك لما رآه منها من تعامل لطيف مع ذلك
المصور. وكان جلّ حوارهما عن صورة أصلها تعود لقصر اللوخر المجهولة المؤلف،
وعندما رآها لم ينبهر بها بل انتابته عاطفة هادئة، فأجابته بأنّها تحتاج إلى هذه الصّورة في
المعرض الذّي في غرفتها، وقالت له أنّه صادق في وصفه لصورة الشخص المجهول بريشة
فإن وافقت « مصوّر مجهول، تنوب عن مؤلّف مجهول مقترحة عليه أن تعلّقها بين ألواحها
( » علّقتها بين ألواحي ودعوتها اللاّهوت الألماني 3 (. ولكن الفتاة استقت من هذا الكتاب قوّة
وتعزيّة، فاستمرّ الحوار بينهما وكان كلاهما يرد إثبات ذاته من خلال إعطاء رأيه عن
المسيحيّة وتعاليمها، فاختلفت آراءهما في كيفيّة تفسيرها إذ كانت الكنتس ماري تعتقد أن
جوهر المسيحية في بساطتها العجيبة أما ومكس مولر فكان يرى أنّ المسيحية لا تقبل تردّدا
1 - .33 ، الرواية: ص. 31
2 - . المصدر نفسه: ص 33
3 - . المصدر نفسه: ص 35
ولا ترضى جدالا، وتضطرنا إلى الامتثال المطلق لأوامرها والتي نسميها إيمانا. ورأي مكس
مولر زاد من تمسّك الفتاة من نظرتها، حيث قاطعته وقالت أنّ الحقيقة تتجلّى بالوحي، وليس
الوحي من يتجلّى بالحقيقة، فأرغمته على الاستسلام وفهم معنى كلمة الإيمان للمرّة الأولى.
ويستمرّ النقاش حول هذا الموضوع وكل واحد منهما يلي برأيه، وفي الأخير لم يكن حديثهما
سوى تفكير واحساس، وكانت كلّ من آراء مكس مولر وتلك الفتاة أجزاء حية موجودة.
8 6 علاقة موضوع المركز بالقضايّا الأخرى : - -
أ قضيّة اللّغة: كان مكس مولر يجد صعوبة كبيرة في التعايش والتعامل مع أشخاص -
لم يكن منهم، فكان دائما يحسّ أنّه غريبا عنهم. وبما أنّه كان ألماني المولد يجيد لغته الأمّ،
فإنه اضطر إلى تعلّم اللّغة الفرنسية، وذلك من أجل العيش والتّأقلم والاختلاط، هذا الكلام:
(» كنت أذهب كلّ يوم أشارك الامراء في ألعابهم وأتعلّم معهم الفرنساوية « 1 (، فكلّ بلد له
طريقة معيّنة في العيش، ولغته الخاصّة به، ولكنّه لم يستسلم وحا ول بكل ما أوتي من د
كبير لتعلّم اللّغة الفرنسية من أجل اثبات ذاته بين الفرنسيّين. لم يرضخ أو يستسلم لأيّ أمر
رغم أنّه ألماني ولا يجيد لغتهم، فكان بالنّسبة له الأمر صعبا أن يعيش بين أناس مختلفون
عنه لغويا، ولكنّه أصر على اثبات ذاته ووجوده في تلك البلاد الغريبة عنه، فاضطر إلى
تعلّم لغتها من أجل سهولة التعامل مع مواطنيها، وتج نب كلّ الصعوبات والعوائق في قضية
اللّغة، و رأى أنّ تعلّم ال لغة الفرنسيّة هو الحلّ الوحيد للاندماج والتعايش والإحساس بأنه ليس
غريبا.
1 - . الرواية: ص 11
ب قضيّة الانتماء: -
اوجه الكاتب صعوبات كثيرة من ناحية الانتماء إلى بلد ليس غريب عنه باعتباره
مهاجرا إليه، لا يعرف شيئا عن تقاليده وأعرافه ولغته، وكانت في ذلك الكآبة رفيقته ذلك
اولشعور بالخوف والحزن كانا هاجسان يتملّكانه دائما، فالموت الحقيقي عنده هو نظرة الناس
إليه بأنّه ليس فردا منهم، ولا ينتمي إليهم، كان ذلك إحساس ملازم له. و كان كلّما تعرّف
على أنّي ذكرت أنّها من « على غريب شعر بتقارب روحه إليه باعتبار تشابه حالته معه
الغرباء الذّين حرمت من المجاهرة بحبّهم، إنّما شعرت بتقارب روحيهما وبتلامسهما بأرقّ ما
(» تتلامس به أرواح البشر 1 (، فهو كان عندما يلتقي بغريب مثله تختفى مرارة قلبه، ويزول
شعوره بالوحدة ولا يحسّ أنّه بعيد عن وطنه، ولكن بعد مرور سويعات قليلة يعود شعور
الاغتراب يتملّك نفسه ويلهف شعوره ويسيطر عليه، ويوتّره ويشعره بالاكتئاب والغربة ، فمن
الصّعب أن يعيش في موطن ليس بموطنه، فلا أحد يحسّ بشعور الآخر، إذ يكون الإنسان
هناك تائها لا يعرف من أين الدخول أو الخروج، فاقدا لدفئ مجتمعه ووطنه يعاني ويلات
الوحدة.
ت شعور ماكس مولر بالاغتراب: -
كان مكس مولر دائما يحسّ بالوحدة والخوف، بحيث كان دائما شعور الاكتئابا يرافقه
أثناء فترة غربته، فعندما استيقظ ووجد نفسه في فرنسا، اضطرّ إلى طرح عديد الأسئلة على
نفسه كونه لم يحسّ يوما بالدفء بها. وكان شعو ره بالتّميّيز والعنصرية يرافقانه دائما،
1 - . الرواية: ص 13
فالاغتراب شعور كان يتملك نفسه الضّائعة في بلد ليست بلده، إن كان يرى نفسه وحيدا شاردا
بين السّائرين دون ان يعيروه له أدنى اهتمام، فتنهض فيه تلك العاطفة المختزنة بداخله
والمنسيّة و التي كلها حنين وشوق لوطنه، واحساس بالتعاسة لف ا رقه ، وكان كلّما رأى أحدا
ظنّ أنّه من الغرباء، فيحسّ بتقارب روحهما وبتلامسهما، فقد تعبت النّفس والجسد من رؤية
الناس إليه على أنّه غريب تائه في ديار ليست بدياره، بالإضافة إلى خيال الشّفقة الذّي
يحس به، فلا شكّ أنّ الخوف كان أول عذاب الإنسان، حيث ظنّ نفسه منسيّا من اللّّ، ومن
الناس، فالشعور بالوحدة والهجران يزيد النّفس اكتئابا فيلجأ خلالها إلى تعزيّة نفسه، وفي
بعض الأحيان يسلي نفسه فتقلبها تارة فرحا وتارة أخرى حزنا، فكان دائما يشعر انّ الناس
ينظرون إليه نظرة غريب ونظرة شفقة، وتميّيز على أنّه لا ينتمي إليهم، ويعتبر عنصرا
مهمّشا لهم، فهذا هو شعوره الذّي يتخيّله ويحسّه في فكره اتّجاه الناس) 1 .)
كان والد مكس مولر أديبا وشاعرا ومغنّيا وكان مولر ذو مخيلة واسعة حيث امتاز في
صغره بالذّكاء وسرعة الخاطر وقوّة الخيّال، الأمر الذي دفع بوالده لبعثه إلى الدّراسة وهو في
حداثة سنه، وذلك بهدف التعلم والانخراط مع المجتمعات الأخرى . وكان له أن درس في كل
من ليسك وبرليذ وباريس، حيث امتاز فيها بالاجتهاد وسرعة التحصيل ومال إلى دراسة
اللّغات الشّرقيّة، وبرع في السنسكريتية والفارسية. وكان أبوه خير سند ومساعد لهه. واللافت
للنظر أن طفولته كانت مليئة بالأسرار كما كان دائما يحاول التّعبير عن ذاته و اثباتها،
1 - .32 ،32 ،13 ، الرواية: ص 11
ويواجه معضلاته بنفسه، فإثبات الذات يعتبر المحور الرّئيسي في حيّاة كلّ انسان باعتباره
فردا قادر على مواجهة عالمه الخارجي خاصة خارج دائرة وطنه الأم. ولكنه على الرغم من
ابتعاده عن ألمانيّا )الوطن الأصلي( إلا أنها لم تهجر فؤاده يوما، إذ بقيت تسكن أعماق قلبه
رغم صغر سنّه آنذاك، فكانت الدّراسة هي السّبب عن الابتعاد عن وطنه) 1 .)
9 6 خلاصة عامة: - -
المرسل: مكس مولر
المرسل إليه: ذاته، فهو يتحدّث مع نفسه ويحاول إثبات ذاته خارج وطنه حيث لا
اللغة لغته، والعادات مختلفة عنه، فكان له أن اضطر إلى طرح جملة من الأسئلة على نفسه
وذلك في قوله: ''أين نحن ومن نحن؟''، فأصبحت ذكريات طفولته تسيطر على فكره ومخيّلته
فمن الصّعب أن تذوق مرارة الاغتراب وأنت صغير. لكن الشّعور بالاتّحاد والتّضامن كان
يملأ قلبه، وكان كلّما تذكّر أنّه انسان غريب يح س بالوحدة، ويجد نفسه في معترك الحيّاة
وحيدا وكئيبا، يلجأ إلى ذكرياته التي كانت ملاذه الوحيد، مستسلما لها بفعل سيطرتها على
فكره. وبقدر ما كانت طفولته مشوّقة بقدر ما كانت صعبة الوصف والتّعليل، إذ أصبح لا
يفرّق بين قيض الصّيف وحزن الخريف وزمهرير الشّتاء، فأصبح قلبه يناجي ذاته ويسأل
نفسه المغتربة التّي تشعر بالألم وهي بعيدة عن موطنها. وكلّ هذه المعاناة جسّدها في
مجموعة ذكريات سكنت روحه حيث كان الوجع يملأ قلبه كلّما تذكر شيئا من الماضي،
ويشعر بذلك الألم العميق ويصرخ مناديا أمه، باعتبارها سنده الوحيد طوال مرحلة طفولته.
1 - - .12 الرواية: ص 15
وكان كلّما مرّ على غريب يتذكّر ملامح الوجوه التّي اعتاد مشاهدتها. وكانت جميع ذكريّات
طفولته تدور حول وجه أمّه الحنون وعينا أبه العميقتان. إن اشتيّاقه وحنينه جعله يتمسّك
بجميع ذكرياته وبماضيه، يتذكر الكنيسة ذات الصّليب التي كانت على مقربة من بيته،
واصفها إياها بالمكان الجميل، كما لم يغب عن عينه تسلقه كلّ مساء أشجار اللّيمون .
وطوال مرحلة الطّفولة التّي كان يعيشها، كان أبوه وأمّه المساعدين الرئيسين والمحفّ زين له،
إذ كان والده بمثابة الصديق له يصطحبه معه إلى القصور التي يزورها، وعمره لم يتجاوز
السادسة، ففرح فرح أهل هذا العصر بهذا اللّقاء معهم، وشرف التّعرّف على الأمير والأميرة
أوولادها والأمراء. لقد واجه مكس مولر هنا نفسه وحدَ ث ذاته وعبّر عن كلّ ما يشعر به من
اشتيّاق لوطنه. وبقدر الخوف الذّي كان يشعر به أبوه اتّجاهه كان هو يحتاط من كلّ غريب
يتعرّف عليه، فبقي ذلك التساؤل يجول في خاطره ''من هم الغرباء الذّين لا يجوز محبّتهم''؟،
فالشّعور بالغربة كان هاجسا يتبعه دائما، حيث تنهض عاطفة منسيّة وتتمشّى في داخله
ذهابا وايّابا، فبقي الأب هو المساعد والمساند الوحيد لابنه، وكان الدّافع أو السّبب الوحيد
للسّفر إلى فرنسا هو الدراسة، وذلك من أجل امتلاك المعرفة ومواجهة صعاب الحياة، وكان
الهاجس الوحيد الذي يراوده في ذكرياته تقبيل يدّ الأميرة ، لكن لم تبق غيوم الحزن طويلا،
حيث أتيحت له فرصة تقبيلها. وكان كلما عاد من المدرسة يلتقي برفقائه، ويقاسمهم
الألعاب مع الامراء والأميرات. وهمه الوحيد من ذلك تعلّم اللّغة الفرنسية.
اجتاز مكس مولر أعواما وانقضت مدّة دراسته عادد إلى وطنه، وهو يحمل في ذاته
إيمانه بالّلّ وحسن ثقته بالبشر، فهو مع مواجهة مع ذاته كان يرى الحيّاة شديدة الاختلاف
عمّا كانت تتصوّره مخيّلته وهو طفل صغير. وكانت الحكمة المتناهية والمبدأ الفلسفي الذّي
موضع راحته وتعزيّته ذلك في قوله: ''لا يقع شيء إلاّ بإذن اللّّ وسماحته''. وبعد غيّابه عن
وطنه يعود وتبقى الموجات المترنحة نحو الأيام القصية تجوب في خاطره بسعة البرج والكلب
وبائع السّلع والمنزل القديم ومعلّم الموسيقى، وابنة الجيران، فبقيت الأفكار بلا ألفاظ يعرفها
الإنسان لنفسه في السّاعات الأخيرة، وأصبحت أفكاره وعواطفه يتعذّر التّعبير عنها، ''إنّها
لفتاة لطيفة ذكيّة الحنان وقادة الذّكاء''، فهو يسأل ذاته، هل هو يحلم ام هو مستيقظ؟، فجرى
حوار كبير بينهما حول علاج المسيح وحقيقة قراءة اللاّهوت الألماني. وبعد مرور تلك الفترة
الطّويلة يطرق بابه ويدخل عليه طبيب البلدة الذّي كان صديق كلّ نفس، وصديق كلّ طفل،
يدخل عليه شيخا بعد غيّاب طويل، فهو كان خير مساعد له، يدخل عليه ويقول له: ''جئت
أقول لك أن تكفّ عن زيارة الكنتس ماري''، فبقيّ يحاور ذاته ويقول: ''كيف لا أرى صديقتي
بعد الآن وأنا لا أحيا إلاّ ساعة أكون قربها''، بضع كلمات قالها وخرج، فبقيّت الدهشة تعتري
ذاته وسألها قائلا: ''كيف يهتدي غريب إلى أسرار نفسي قبل أن أكون على علم تام بها؟''،
ولكن بقي حبّها يتراجع في جميع أنحاء قلبه خوفا مروعا، فالخوف كان أوّل عذاب الإنسان،
يوم يضنّ نفسه منسيا من اللّّ، وتلك النجوم والشلالات والأودية لا تعزيه فيها، بل هي تريد
النّفس شعورا بالوحدة والهجران، فتبقي الجبال سيط رة حبّها عليه، فأسقط عليها كلّ ما يليق
بها من وصف جميل، إنّها تلك الفتاة الحسناء التّي يتمنّى العيش معها في واد صغير، فهو
الآن متألّم لفراقها، وتمرّ الأيّام فيصبح ذلك الخوف الذّي كان يتعسه البارحة في عينيه حجّة
ا رسخة مسائلا ذاته ''لماذا نحن نسعى في تفهّم نفوس الآخرين ونفوسنا مغلقة على بحثنا؟''
فجاء ذلك الخبر الذّي كان يجب أن يسمعه منذ مدّة طويلة وهو خبر الفراق والمقابلة
الأخيرة، ومرّت الأيام والأسابيع والشّهور والأعوام، وأصبح وطنه أرضا غريبة وبلاد الغرباء
أصبحت وطنه، ولكن يبقى حبّ فتاة الجبال مغروسا في فكره وقلبه وخاطره.
7 سيمياء الاغتراب: -
1 7 مفهوم المنهج السيميائي: إنّ الحديث عن ظهور هذا المنهج وتعدّد اتّجاهاته - -
في النقد الأدبي الحديث يستدعي الالتفات إلى جذوره في تاريخ الثّقافة الإنسانيّة أوّلا،
فالتفكير العلاماتي لم يبدأ مع ''بيرس أو سوسير'' كما هو شائع، بل إنّ أصول العلامة
وجذورها قديمة في التفكير الإنساني، وانّ هذه الجذور نمت مع القضايا الفلسفية والعلمية
التي طرحها العقل البشري منذ أزمنة بعيدة.
أمّا في التراث العربي فنجد أنّ الأصول العامة التي وضعت للنّظرية السميائية كانت
قد انضوت تحت عنوان )علم الدّلالة( بمنحى ''أرلي بناي'' عمّا يتبادر إلى ذهن الكثيرين من
اقتصاره على ركن الصيغة فحسب، وهناك فلسفات كثيرة قد مهدت الطّريق لظهور السيميائية
فيما بعد لنشوء منجيتها العلمية في مدرستين كبيرتين هما: المدرسة الفرنسية والمدرسة
الأمريكية. وكان استعمال ال نقاد والباحثين السيميائيين للمصطلحات الخاصة دليل على تنوّع
ميادين اشتغال السيمياء وتشعبها، وتم وضع ثلاثة أشكال سيميائية تنطلق منها العلامة في
نظريا وتطبيقيا وهي على النحو الآتي:
1 العلامة الأيقونية: هي التي تقوم على علامة التّشابه بين الدّال والموضوع. -
2 العلامة المؤشّرة: هي العلامة القائمة على العلامة النّسبيّة بين الدّال وما يشار إليه -
وهي علامة منطقيّة.
3 العلامة الرمزيّة: وهي العلامة العرفية المحضة غير السببيّة ولا المنطقيّة، ومع تنوّع -
الاتّجاهات وكثرة الآراء والمؤلّفات التي رسمت الخطوط العريضة للمنهج السّ يميائي، والتّي قد
نجد تفاصيل بعضها يناهض الآخر أو يعارضه ) 1 .)
2 7 علاقة موضوع الاغتراب بالذّات: - -
هناك علاقة وطيدة ومتينة بين الاغتراب والذّات، فالاغتراب هو الهجرة إلى وبلد آخر
مختلف تماما عن الموطن الأصلي من حيث التقاليد والعرف، الدين وحتى اوللغة أحيانا.
ومصطلح الاغتراب متداول وشائع بين الناس جميعا، فهناك من تذوّق مرارته وشعر بقسوته
وهو في سن مبكرة من عمره، وكلّما تذكّر الإنسان أنّه خارج وطنه يحس بأن الكآبة رفيقة
دربه، ويجد نفسه في معترك الحياة وحيدا ، فيصبح الحنين إلى مسقط الرأس وذكرياته سنده
الوحيد. ثمّ تأتي الذّات لتقف بجانب الاغتراب باعتبارها عنصرا مساندا له، فعندما يجد
1 نفلة حسن أحمد العزّي: التحليل السيميائي للفن الروائي )دراسة تطبيقيّة في رواية الزّيني بركات(، دار الكتب والوثائق -
.11 ،11 ،11 ، الإسكندرية 1111 ، ص: 12
الإنسان نفسه يعيش بعيدا عن وطنه يضطر إلى مواجهة ذاته ومحاولة إثباتها بالتّحاور معها
ومساءلتها عن كلّ موقف محرج تعرض له، فالشّخص الذّي لا يحاول اثبات موجود ميّت لا
حياة له, و كان ''مكس مولر'' نموذج من الناس الذين ذاقوا مرارة الاغتراب والابتعاد عن
الوطن، فهو دوما ما كان يناجي قلبه ويسأل ذاته المنكسرة المليئة بالآلام والآهات مستفسر
حول وضعه وحقيقة شخصه ولماذا هو موجود في هذا البلد فعندما وجد نفسه بعيدا عن
وطنه يعاني مرارة الاغتراب وهو في سنّ صغي رة لا يتجاوز السّادسة من عمره أصبح
مضطرا بأن يثبت ذاته بفرنسا البلد التي اختارها له والده للدراسة، هذا الأب الذي ورث منه
مخيّلته الواسعة إذ امتاز في صغره بالذكاء وسرعة الخاطر وقوّة الخيّال وتحمل الصعاب
وعلى الرغم من قوة شخصي إلا أن الغربة فرضت نفسها عليه فصورة وطنه الأصلي تهجر
فؤاده إذ كانت تنهض فيه عاطفة منسية وتتمشّى في صدره ذهابا وايابا لا يدري أهي
عاطفة الحّب أو الصداقة التي تربطه بألمانيا. ويسأل ذاته للمرّة الثّانية قائلا: ''ألا يعرفني
هؤلاء الغرباء''، فيحس في نفسه بأنّ هؤلاء الغرباء هم أقرب أصدقائه وأعزّهم واحبهم إليه.
وكانت أول خطوة قام بها في محاولة إثبات ذاته هي الذّهاب إلى القصر والاختلاط مع
الأميرة ومشاركة الامراء في ألعابهم، وكأنّ معرفته بهم تعود إلى سنوات طويلة. وكان في
تعامله معهم يحاول أن يكون اشتراكيّا بأ وسع معاني الكلمة. أما ثاني خطوة قام بها فهي تعلم
اللّغة الفرنسية لكي يتسنى له الاندماج في مجتمعه الجديد والعيش فيه بسهولة، فقضية اللّغة
كانت من بين الضروريات كونه غريبا لا يتقنها ولا يفهمها لذلك وجب عليه أن تعلمها.
إن علاقة الاغتراب بالذّات علاقة قويّة ومتينة، فعليه أن يثبت ذاته داخل ذلك المجتمع
الغريب عنه الذي ينظر إليه نظرة سطحية معتبرا إياه شخصا غير مرغوب فيه، فكانت ذاته
المحاربة الوحيدة لإثباتها، فهي استحقاق للنّفس، وهو القرار الذّي يأخذه الفرد كموقف اتّجاه
نفسه، فتقدير الذّات يشمل قناعة الشّخص) 1 .)
وكما ذكرنا سابقا في الذّكرى الأولى كان مولر يتحدث عن طفولته التي اشتاق إليها
بكلّ ما تحمله من أسرار وذكريات، والتي كانت بالنسبة له غابة هادئة مسحورة ذاق فيها
مرارة الاغتراب وهو صغير لم يتجاوز من العمر السّت سنوات إذ أخذه والده إلى فرنسا رغما
عنه بغية التحصيل العلمي. ومن المعروف أن والده كان شاعرا ورث منه ابنه كلّ قريحته
ومخيّلته إذ امتاز مولر في صغره بالذّكاء وسرعة الخاطر وقوّة الخيال حتّى كاد نثره يكون
شعرا لما فيه من حسن نظم وصور خيالية رائعة.
لقد تربى هذا الفتى على ما ينمي ويقوي موهبته الأدبية فبيت والده كان ناديا لرجال
الأدب من الشّعراء والمغنّيين حتّى أنه تعلّق بالغناء، وصار غرضه الأكبر أن يصير من
كبار الموسيقيين. كما برع في د راسة اللّغات الشّرقية وبرع في إتقان الفارسية. وكان هدفه من
وراء سفره هو الدراسة لا غير. وبفعل إحساسه بالغربة في فرنسا كان مرارا ما يطرح سؤال
من ''أين نحن ومن نحن''. وكانت أهمّ خطوة قام بها هي استعادة جميع ذكرياته المليئة
بالأسرار والدهشة والسعادة التي لم تفارق مخيلته أبدا وكأنه أصبح يعيش من أجلها ولأجلها.
1 - .11 ،11 ،11 ،12 ، الرواية: ص 15
وقد احتلت في هذه التذكارات صورة وجه أمه الحنون، وعيني أبيه العميقتان الحيز الأكبر،
باعتبارهما رمز العاطفة والدفيء والرعاية فلولاهما لما كبر،
وفي ذكراه الثانية تحدّث عن الكنيسة ذات الصّليب القريبة من منزله واصفا إياها
بأزهى وأحلى الصور والقصر الملكي الذي أتيحت له فرصة زيارته بغية مشاهدته والتعرف
على الأمير والأميرة وأولادهما. ولما ذهب إليه برفقة والده تذكر فرح أهل هذا القصر به
ومعارضة والده له بالاختلاط بهم بحجة أنهم غرباء عنه ونتيجة لذلك أصيب بحزن شديد
لكنه سرعان ما انقشع عنه ذلك الشعور.
أمام ذكراه الثالثة استعاد مشهد تقبيله يدّ الأميرة والتعرّف على أولادها، ومشاركتهم
لمختلف الألعاب في الملاهي الموجودة بمحيط القصر، ثم ينتقل إلى تصوير مشهد خروجه
من المدرسة والتوجه مباشرة إلى القصر من أجل الاجتماع برفاقه بغية الحصول على
اللعيبات والدمى التّي كان يحبها حبا شديدا. أما الصورة الأكثر أهمية التي رصدها ذهنه
فتتمثل في معاشرته للأمراء وتعلّم اللّغة الفرنسية معهم. وهكذا تستمر الذّكرات وتبقى صورة
الكنتس ماري تسيطر على مخيلته، ليكبر ويحس فيما بعد باختلاف الحيّاة وتمر من عم ره
أعواما ولم يحفظ في ذهنه سوى كتيبا للذّ كرى مفاده على حد تعبيره: ''أنّنا قطعنا من الأيام
مراحل وتقدّمنا في السّن''.
وفيما يخص ذكراه الرابعة فتعلقت بعودته إلى وطنه بعد انقضاء مدّة دراسته ونيل
الشّهادة العلمية بعد أن قضى أوقاتا تتراوح بين الخلوة والسرور فلم يبق له سوى التمسك
بإيمانه بالّلّ وحسن ثقته بالبشر. وعند رجوعه إلى مسقط رأسه صدم بتغير الحياة عن ما
تركها عليه وعما كانت تتصوّره مخيّلته فتجتاح نفسيته بحر خواطر جميع ذكرياته مؤمنا في
الآن ذاته بأنه حقق رغبة والديه بالحصول على الشّهادة العلمية التي أرسل من أجلها.
وهكذا يعود من جديد إلى أحضان مأواه ليسمع ساعة البرج و ويجد الكلب الذّي طالما لعب
معه في الماضي قد شاخ، وبائع السّلع ومعلّم الموسيقى وابنة الجيران قد تغيروا جميعا،
الأمر الذي جعله يصاب بالحزن الشديد بما يفعله الزمن في الحياة.
عاد مولر إلى البيت وحالته لا تسر لسانه عاجز عن التعبير عن عواطفه وأفكاره، لم
يتبق له جراء الصدمة سوى هدف واحد هو لقاءه بالكنتس ماري بعد سنوات طويلة من الفراق
ليعد الحوار الحوار بينهما كما كان عليه سابقا قائم على ضمير الجمع ''أنتم'' والمخاطب
المفرد ''أنت'' يستعملانه كأنهما لم يفترقا منذ الطفولة.
التقى مولر ب ماري ودار بينها حوار طويل كله شوق وحنين نجحا من خلاله في
تقريب أفكارهما لبعضهما البعض وتوافق ذاتهيما، فجاء ذلك الصّباح ليلتقي بطبيب البلدة
الذّي كان صديق كلّ نفس، وصديق كلّ طفل، ليدخل عليه ويطلب منه أن يكفّ عن
الالتقاء بالك ونتس ماري، فقد كان المعارض الأوّل لذلك، وجاء ذلك اليوم حيث قرّر الافت ا رق،
وفي الأخير يصفها ويشبّهها بفتاة الجبال العذبة، فيسقط عليها أجمل ما رأت عيناه، فعنم
الحزن عليه لفراقها، فخرست كلّ أفكاره وجثّت كلا عواطفه أمّام سرّ الأسرار الغامضة وسرّ
الحب المتناهي وغير المتناهي) 1 (. هكذا عاد مولر إلى وضعه الطبيعي بين أحضان ألمانيا.
1 - .22 ،53 ،51 ،31 ،33 ،31 ،12 ،15 ،13 ،11 ، الرواية : ص 13