الفصل الأول: ماهية الذّات
6
-1 ماهية الذّات:
تعددت مفاهيم الذّات واختلفت اختلافا كبيرا، فهي في عمومها انعكاس كلّ ما بداخل
الإنسان، كما تمثل وجهته في الحياة وقد راته وطموحاته؛ أي أنها تمثل نظرة الإنسان عن
نفسه وقدراته، ومهاراته. ومن المعروف أن ذات الإنسان هي نتاج الخيرات التي يمرّ بها،
فالذّات هي طابع خاص للإنسان ومدى تأثّره بالبيئة المحيطة به.
وتتشكل الذات تلقائيا نتيجة لعلاقة الفرد بالمجتمع والبيئة، فهي لها قابلية كبيرة للخلق
والإبداع، وأخذ الطابع الخاص بها، فالذّات البشرية هي ذات متفاعلة، كما أنها هي إحدى
المفاهيم التي تحاول فهم الإنسان، وذلك من خلال اعتبارها عاملا مساعدا داخلي يتوسّط ما
بين داخل الإنسان والبيئة الخارجية المحيطة به، فكانت الحاجة لظهور مفاهيم العقل والانا
والذّات، وتمّ إظهار مفهوم الذّات بواسطة ''وليام جيمس'' وأطلق عليها اسم ''الأنا العقلية''.
وسنتطرق في هذا العرض إلى مفاهيم متعددة تخص الذّات، الأنا هو فكر خالص
والنفس جوهر ووظيفته التفكير فقط، وهي ذات طبيعية تجعلها متميزة عن الجسد، ويعتبر
ظهور الأنا المفكر كمحدّد للإنسان تمرّدا على الجماعة، وبهذا ظهر مفهوم الذّات اللاّ مبالي
بالعالم وبالغير به، والكوجيتو الدّيكارتي شكلا منعرجا حاسما في ميلاد الذّاتية الحديثة
وتحرّرها من سلطة القدامى، ومن المعروف أنّ ميلاد جدلية الذّات لم يكن وليد الصدفة،
وحضور الذّات في العالم لا يتمّ إلاّ بحضور الآخر، فسؤال الذّات يبقى سؤالا ا ره بامتيّاز؟
7
وعموما فإن كل فرد في المجتمع يحاول إثبات ذاته بمختلف السبل والطرق التي تجعله
متميزا عن الآخرين.
والذّات عامل محوري، كما أنّها مركز العالم وفهمه، فهي عندما تأتي، فإنها تأتي
لتعي قيمة ذلك الشّيء، فهي المنهج الفلسفي الذي يقدس هذه الأشياء، ثمّ أتت الفلسفة
المثاليّة الذّاتية لتعيد الاعتبار لها من خلال شعورها و احساسها، وتبرز وظيفتها من خلال
حياتنا اليومية.
- -1 2 لغة: يقابل كلمة الذات بالإنجليزية ) SELF ( أما بالفرنسية ) Le soi ( ، ووردت
في معجم الصّحاح بمعنى: ذات الشيء حقيقة أو جهرة، ويعرف الجوهري لفظة ''ذات'' أنّها
مجموعة الحقائق التي تميّز الشيء عمّا سواه وتساوي الماهية.
وتطلق ''الذّات'' ) Sujet ( على الجانب المدرك في الإنسان في مقابل الموضوع
( Objet ( وذات الشيء ) Essence ( إذا استعملت هكذا مضافة، فإنها يعني بها ما هبة
الشيء، أو جزء ماهيته، و) En Soi ( يستخدم هذا الاصطلاح للدلالة على طبيعة الشيء
بذاته بمعزل عن الأشياء أو الاعتبا ا رت الأخرى.
وفيما يخص الفكر البشري وحده في مقابل ما يخص العالم الطبيعي، بهذا المعنى يقال
عن الكيفيات الثانوية إنها ذاتية، ليس من حيث أنّها تختلف من شخص إلى آخر، ولكن من
حيث عدم مشروعيتها في تكوين نص ورت منطقية.
8
ذات مؤنّث: ذو: بمعنى صاحب، يقال: ذات مال، وذات أفناد، وجاء فلان بذاته: عينه
ونفسه عرفه ذات) 1 .)
- -2 2 اصطلاحا:
أ اجتماعيا: إنّ المجتمع هو صاحب الدّور الأساسي في تكوين حياة الأفراد، ويعرف -
علماء الاجتماع ''الذّات'' على أنّها: )بناء يفترض وجوده باعتباره أساس تحقيق التكامل
والاتّصال بين خبراتها جميعا؛ أي الأساس الذّي يجمع بينها في كلّ ''منظّم ومتّصل'' هذا
التعريف الاجتماعي لمفهوم ''الذّات'' يقوم على أساس الوحدة المتكاملة بين أفراد المجتمع
الواحد، وجوهر قيّام هذه الوحدة هو الاتّصال بين مختلف الخبرات؛ أي النشاطات الفكرية أو
المادية التي يقوم بها الأفراد، وهذه الخبرات توصل المجتمع إلى بناء ما يكوّنه على أساس
التكامل والاتّصال، ويرى عالم الاجتماع ''كولي'': أنّ الذّات تنمو من المخالطة مع الآخرين،
وأنّ الأصل الاجتماعي لحياة الإنسان يأتي عن طريق أوامر الاختلاط او المعاشرة مع
(الآخري .)
إنّ الإنسان لا يحقق ذاته وكماله على أيّ شكل من المجرّدات مثل: « :'' يقول ''ماركس
الألوهية والإيديولوجيات، وانّما يحقق نفسه بالاتحاد مع العالم بواسطة العمل الخلا اق والنشاط
( » البناء والعلاقات الاجتماعية العينية المنسجمة 3 (؛ بمعنى أنّ الإنسان لكي يحقق ذاته
1 حكيم أومق ا رن: البحث عن الذات في الرواية الج ا زئرية، دار الغرب للنّشر والتوزيع، وه ا رن ، الج ا زئر، دط -
. 5002 ، ص، 91
2 - . المرجع نفسه: ص، 50
3 - . المرجع نفسه: ص، 59
الفصل الأول: ماهية الذّات
وتكون كاملة يجب أن يكون منسجما مع المجتمع، وذلك بالاختلاط والمعاصرة مع الطرف
الآخر، ويقوم ذلك أيضا على أساس الوحدة المتكاملة بين أفراد المجتمع.
ب أخلاقيّا: إذا كان مفهوم الذّات لدى علماء الاجتماع يعرف بمعنى التكامل بين -
الظواهر الاجتماعية المختلفة، وعلاقة الفرد بعالمه الخارجي، فإنّ لعلماء الأخلاق مفهوما
وتفسيرا آخرا، إذ هي عندهم وعي الإنسان لذاته كشخصية لمكانته في نشاط الناس
الاجتماعي المشترك، وبفضل وعي الذّات يكتسب الإنسان القدرة على مراقبة الذّات، أو
إمكانية التوجه الهادف لتصرفاتها وضبطها وتربية الذّ ات، وفي صلب وعي الذّات عند
الشخصية تقوم قناعتها وموقفها الذّاتي منها.
يرتكز مفهوم الذّات عند علماء الأخلاق على وعي الإنسان كفرد، ووعيه ضمن
مجموعة أفراد، وبفضل الوعي يتوصل الإنسان إلى تحقيق ذاته كشخصية أخلاقيّة في
مفهومي الكرامة، والشرف، وقدرة المرء على تحقيق قناعته من خلال الضبط الذّاتي لأفعاله
هي الضمير، وترتبط الذّات ارتباطا وثيقا بالقيم الأخلاقيّة السائدة في المجتمع وهي الكرامة
والشرف والقناعة، ويضاف إلى هذه القيم الوسيلة المساعدة أو القائمة على بناء الذّات، ألا
وهي الضمير، والضمير هو المحكمة الباطنية التي توجه سلوك الإنسان، وهي تحكم على
الأشياء بالخير أو بالشر، فيقت رب منها الإنسان ويمارسها أو ينفر منها ويستقبحها ويحاربها
لكي لا تؤثر على سلوكاته) 1 .)
1 - .52 ،55 ، حكيم أومقارن: البحث عن الذات في الرواية الج ا زئرية، ص 59
ت نفسيا: ينطلق بعض علماء النّفس في تعريفهم لمفهوم الذّات بالفصل بين الكائن -
للإنسان كمادة حيوية وعقليّة من جهة، وكحياة حسية وشعورية ونفسيّة من جهة أخرى،
وتعتبر الحياة النّفسية العنصر المسير لسلوك الإنسان وأفعاله، فهي إثبات الأنا )تقويتها(
وتوفير الحاجات لها، وذهب علماء النّفس إلى أن كل كائن يملك شمسا داخلية في ذاته،
والمهمة الرئيسية هي أن يكتشفها، وأن يلتحق بها حتى الالتصاق لكي يصير كلّه شمسا.
إنّ الغاية التّي ينشدها الباحث عن الذّات في جانبها النفسي: هي بحث في حسن
الحياة، وبحث في الانعتاق يعني اكتشاف الحقيقة، حقيقة تظهر وتتجلّى بصورة دائمة الجدّة،
وتصنع معرفة الذّات من الإنسان كائن ح ا ر، ومن الحرية والانعتاق يصل الإنسان إلى
الحكمة بها يكتشف نفسه، وبهذا الاكتشاف يصبح خالق بذاته) 1 .)
ث فلسفيا: ينطلق بحث الفلاسفة عن الإنسان وعن الذّات من قاعدة أساسية، ويقول -
الإنسان كائن روحاني، لأنّه لا يستطيع أن يتجاوز وضعه ككائن عضوي وككائن اجتماعي،
وأن يتحرر إلى حد ما من علاقته بجسمه، ومن ضغط المجتمع عليه ليعيش حسب
مقتضيات روحية، ولا يكون مجرّد انعكاس لما يجري في جسمه، أو مجرد صدى لما يقال أو
يجري في مجتمعه، ولا بد عندئذ من التفريق بين ''الأنا'' بوصفه فردا، وبين ''الأنا'' بوصفه
فأنا بوصفي فردا لا يتحدد من حيث ميلاده « : شعورنا بالذّات، قال ''نيتشه'' في هذا الأمر
وتكوينه الجسماني والعقلي؟ إنّما أنا كذلك نتيجة أسباب ليست هي أنا لأنّها ليست فعاليتي
1 - .52 ، حكيم أومق ا رن: البحث عن الذّات في الرواية الج ا زئرية، ص 52
الشعورية الخاصة لأنّها أمور تتعلّق بالأنا، والعالم الخارجي والظروف المحيطة، أمّا ''أنا''
بوصفي شعورا بالذّات فأنا فعل نفسي ذاتي، وهذا الفعل يغيّر أحوالي ويجعل مني كائنا آخر
(» غير الذّي كنته، إنّه يحيل اعتمادي إلى الحرية 1 (؛ فنيتشه ينفي أن تكون الذّات مج رد هيئة
جسمية وعقلية فقط، فالإنسان لا يحصل حسب تجسد مادي وفكري معين، إنّما ذاته بتأثير
الأنا الأعلى)*( التي ترغم الذّات على الخضوع لبعض القوانين الخارجية التي لا علاقة لها
بالذّات الداخلية فيخضعها إلى التقاليد، الأعراف، الدين، السلطة الأبوية، سلطة المؤسسات،
ومن هنا يمكن أن تعتبر الذّات مساوية للأنا كما تتعلق الذّات بالتأثيرات للظروف الخارجية
مثل: الفقر، وعم الحصول على فرصة للعمل، وفي هذا كلّه إشارة من ''نتشه'' إلى أنّ الذّات
تتركّب من مركّب خارجي وداخلي، والمركّب الخارجي سبق وطرحناه، أمّا المركب الدّاخلي
متعلّق بالشّعور وبالأحوال، وبالتقلّبات النفسيّة، وبفلسفة الذّات الفرديّة وهو عالم نفسي لا
تحكمه أيّة قوانين.
إنّ معرفة الذّات نتيجة استفهام والإنسان الذي يريد الاستجابة لقدره، ويجب أن يستفهم «
من ذاته عن ذاته، وأن يسأل ذاته من هو؟ ويبدأ البحث عن معرفة الذّات كأنّه خطة
موضوعية للتنفيذ، فالذّات تشبه المكان الذي يلجأ إليه الإنسان، لأنّه مكان يجب أن يرى
1 - . حكيم أومقا رن: البحث عن الذّات في الرواية الج ا زئرية، ص 52
)*( الأنا الأعلى: يتضمّن جزئين: جزء فطري ويعني الغرائز الموروثة التّي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها -
الأنا، وجزء مكتسب هي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا )الشعور( من الظهور، وكما وصفها ''فرويد''
هي شخصية المرء في صورها الأكثر تحفّظا وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية
والمبادئ.
(» رؤاه 1 (؛ إنّ تعريف الذّات)*( أو توضيحها يقتضي البدئ من التساؤل الآتي: من الذّي يدفع
بالذّات إلى إيجاد مبادئها الاخلاقيّة وأفكارها الخاصة، ومعتقداتها الفردية بغض النظر عمّا
يفكّ ه الآخرون فيها أو يعتقده المجتمع بها؟، إنّ هذا االتساؤل الذّاتي الذي يلجأ الفرد إلى
طرحه حول نفسه يوصله إلى معرفة ذاته وايجاده لها أو لثوابتها وملامحها الدّاخلية يخلق له
معرفة بقينيه بنفسه وبوجوده، وهكذا يصبح تعريف الذّات على أنّها الملجأ الداخلي الذي
يهرب إليه الفرد ليسائلها معه، وحين يدرك وجوده الداخلي سيتمكن من معرفة عالم
الموجودات الظاهرة والخارجية.
وانّ وصول الإنسان حسب ''ريكاردو'' إلى ذاته من تمركزها الداخلي يضمن له إيجاد
نفسه أو لنقل إيجاد هويته، فيدرك بذلك علاقته بذاته من جهة وتمركزه الخارجي وعلاقته
بالذّوات الأخرى في المجتمع.
الإنسان يجد نفسه مستم ا ر في تغيّير طريقة التفكير في ذاته، فهو يرى ذاته قابلة « و
(» ودائمة للتغيّير، فهناك الأنا التي تحب، و الأنا التي تكره، والأنا الكريمة، والأنا الحاسدة 2 ؛)
فالإنسان دائما يسعى في حياته اليومية إلى تغيّير طريقة تفكيره إلى الأحسن، لأنّ ذات الفرد
1 - ، 9192 ، ص 25 ، ماري مادلين داقي: معرفة الذّات، ت: نسيم نصر.منشورتت، عويدات بيروت، باريس، ط 2
)*( الذّات: هي إحدى المفاهيم المختلفة التي تحاول فهم الإنسان، وذلك من خلال اعتبارها عاملا مساعدا -
داخلي يتوسط ما بين داخل الإنسان والبيئة المحيطة به، فالذّات هي انعكاس لكل ما بداخله، وهي تمثل نظرة
الإنسان إلى نفسه وقد ا رته ومها ا رته.
2 - . المرجع نفسه، ص 22
تكون دائما قابلة للتغيّير والتجديد، فهناك أناس يحبون وأناس يكرهون، فذات الإنسان تتغير
تحب م ا رت وتكره مرات أخرى إلى غير ذلك من الصفات.
الجسم والنفس والعقل والموجود، والإنسان في سياق العلاقات « الذّات هنا تشير إلى « و
(» المتبادلة بينها 1 (؛ بمعنى أنّ الذّات مركب معقد لا تمثل عنصر امن الإنسان منعزلا عن
الآخر، ولكنها تشكيل من تفكير الفرد حولل نفسه من جهة، وتفكيره المرتبط بمجتمعه،
ومتشكّلة من نفسيته بمختلف تفرعاتها، والتي ت رتبط هي الأخرى بمؤثرات خارجية أخرى
كعلاقته مع الناس وما يترتب عنها.
فهو يدل على الحرية والمسؤولية، وعلى العقلانية والهوية « : أمّا المفهوم الثاني
(» الثقافيّة 2 (؛ بمعنى أنّ الإنسان لكي يثبت ذاته، وشخصيته يجب أن يتمتع بالحرية، والحّ ية
بالتّأكيد تتطلب المسؤولية، فالإنسان يكون حرا، ويجب أن يتحصل على النتائج المترتبة عن
هذه الحرية، فمن المعروف أنّ الذّات لا يمكن فصلها عن مذهب العقل، فالعقل هو وعاء
للفكر، والفكرة ينتجها بعد وعي واد راك، لأنّ الذّات هي عبارة عن مشروع للحياة.
1 محمد المصباحي: الذّات في الفكر العربي الإسلامي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، -
. دط، 5092 ، ص، 969
2 المرجع نفسه: ص ن. -
كيفية تفكير الفرد حول تقييم وادراك ذاته، إذ « ومفهوم الذّات بصورة عامة يشير إلى
(» من أجل أن يكون الفرد واعيا بذاته، فإن عليه أن يكون مدركا لذاته بشكل جيد 1 (؛ بمعنى
أنّ طريقة وكيفية تفكير الفرد، وبناء واد ا رك ذاته تجعل منه إنسانا واعيا ومدركا لذاته ومسؤول
عنها بشكل جيد، والصورة العامة المطروحة في هذا التعريف لمفهوم الذّات هي إشارات إلى
أنّ الفرد يملك كيفية تفكير يتميز بها حول طريقة إدراك وت قيم مختلف الجوانب التي تخص
ذاته، والهدف من ذلك هو جعله إنسانا واعيا ومدركا لذاته بشكل متقن جيدا.
معتقدات الفرد حول ذاته التي تتضمن صفاته « وطرح مفهوم الذّات بمعنى آخر على أنه
(» الجسمية والنفسية والاجتماعية 2 (؛ يصبح إذن على هذا النحو مفهوم الذّات متعلّق بشخصية
الفرد، حيث يشكل نظرية الخاصة اتّجاه ما يحبه ويكرهه، مشاعره الذّاتية، طموحاته، من
جهة ونظرته لعلاقاته مع الأطراف الأخرى من المجتمع، كما تمثل الذّات هذا التجسد
الجسمي الذّي يحتوي هذه التف رعات كلّها من عناصر الذّات.
(» جزء مهمّ من دراسة علم النّفس الاجتماعي والإنساني والتطوّري « ان مفهوم الذّات 3 ؛)
من المعروف أنّ علم النّفس الاجتماعي والإنساني وغيرها الذّات عنصر حاضر وله دور
1 سول ماكلاود: سيكولوجية مفهوم الذات، ت: علي عبد الرحيم صالح -
www.arapsynet/documents/docaliselfconceptpsy.𝑝𝑑𝑓. . ص 09
2 - . المرجع نفسه: ص، 09
3 المرجع نفسه: ص ن. -
كبير مهم؛ بمعنى أنّ الذّات تشكل البناء الأساسي الذي يرى فيه الإنسان نفسه عند تفاعله
مع الآخرين بكون أنّ الذات تجعل الإنسان يرى نفسه شخصا فريدا ومميزا بمعزل عنهم.
-3 أهمّية الذّات:
تعتبر أ الذّات عند الفرد الوسيلة الخاصة للوصول إلى معرفة الأهداف والغايات التي
يسعى الفرد من أجلها لتحقيقها، وهي أيضا طريقة التواصل مع الآخرين، وكان الشعور
أنّ تقدير « بالذّات هي التي تمكننا من معرفة حياتنا النفسية وتميّزها من خيرها وشرها، حيث
الذّات ألا وهو القدرة على أن تحب نفسك، سوف يبدو في الظاهر أنّ إدراك ضعف تقدير
الذّات عند أحد الأفراد، وأنّ علاج هذه المشكلة من الأمور البسيطة. لا بالطبع، فقد تط ورت
صورتك الذّاتية عبر سلسلة من التجارب الإيجابية والسلبية، وأنت ثمرة هذه التجارب ولن
(» يلغي قرارا أو حدثا واحد الأثر المتراكم لهذه التجارب 1 (؛ فالذّات عند البشر في طبيعتهم
منسجمة بين الإيجابية والسلبية، والذات ليست إلاّ حب للنفس، ويبقى الفرد متأرجحا بين
العوامل الإيجابية والسلبية في حياتها، ورغم أنّ هناك علاج لمشكلات العوامل السلبية ويبقى
دائما في حيز هذه التجارب.
-4 الاغت ا رب:
الاغتراب مسألة مهمة من مسائل الحياة، عشنا في تراثها زمنا طويلا نعاني ونشقى
ونفرح ونحزن ونسعد، تقبلنا ظروف الاغتراب كيف شاءت وتسقطنا إلى دروب سحيقة تارة،
1 - . 5002 ، ص 990 ، إبراهيم الفقي: الثّقة والاعتزاز بالنفس، مكتبة نور الحياة، دار فراي، ط 9
وتنقلنا إلى الأعال تارة أخرى، وهكذا نحن نعيش في عالم الاغتراب تشقى فيها حواسنا
ومشاعرنا، وتتزايد ألامنا، نحس بكل هذه المشاعر الأليمة ونمتصها في داخل أنفسنا دون أن
يشعر بنا أحد، نقاسي ونتراجع في داخل أنفسنا ويلات مشاكلنا ومع هذا كلّه لا ينظر إلينا
النّاس إلاّ نظرة واحدة هي أنّنا لسنا منتمين إلى ذلك الوطن.
1 4 مفهوم الاغتراب: تعدد مفهوم الاغتراب وفق نظرة كل فيلسوف له) - 1 ( .ولعل أبرز
من تطرق له بالتنظير نجد كلا من:
أ هيجل: عرف الفيلسوف الألماني هيجل الاغتراب بأنه حالة اللاّ قدرة أو العجز التي -
يعانيها الإنسان عندما يفقد سيطرته على مخلوقاته ومنتجاته وممتلكاته، فتوظف لصالح غيره
بدل أن يسيطر هو عليها لصالحه الخاص، وبهذا يفقد الفرد القدرة على تقرير مصيره
وطموحاته والتّأثير في مجرى الأحداث التاريخية بما فيها تلك التي تهمه وتسهم في تحقيق
ذاته؛ فهيجل هنا يصف الاغتراب على أنّه حالة من إحدى حالات العجز التّي يعانيها الفرد
عندما يفقد سيطرته على مجموعة من الأشياء، حيث توظف لصالح غيره، وعندما يفقد هذه
الأشياء يفقد القدرة على تقرير مصيره، وخاصة الأشياء التي تساهم في تحقيق ذاته، خاصة
عندما يكون ذلك الفرد مغتربا وبعيدا عن وطنه، فهو دائما يحاول ان يثبت ذاته، فالاغتراب
في حالة اللا قدرة يفقد فيها الإنسان سيطرته عندما يكون في حالة اغتراب عن وطنه، فذاته
1 حليم بركات: الاغت ا رب في الثقافة الغربية، متاهات الإنسان بين الحلم والواقع، مركز د راسات الوحدة العربية، -
.22 ،25 ،21 ،29 ، 5005 ، ص 22 ، بيروت، لبنان، ط 9
دائما تحاول إثبات نفسها، فعندما يكون الفرد مغتربا لا شيء يوظف لصالحه بل يسيطر
عليها غيره.
ب فيورباخ: ا عتبر أنّ الإنسان يغترب عن نفسه لأنّه يعكس من خلال إيمانه الدّ يني -
أفضل ما لديه ومن نفسه من صفات على ما هو خارج ذاته.
ت ماكس فيّير: ركز على اغتراب العامل، وهي حالة عامة في المجتمعات الرأسمالية، -
حيث تتحكم قوّة غير إنسانية بجميع جوانب الحياة.
ث كارل ماركس: حوّل مفهوم الاغتراب من مفهوم فلسفي إلى مفهوم اجتماعي -
اقتصادي، ويظهر أنّ الاغتراب عنده حالة عامة في المجتمعات الرأسمالية.
د المفهوم الوجودي للاغتراب: -
تناولت الوجودية عدة موضوعات تتصل عمقا بتجارب الاغتراب كمشاعر التعلّق بحق
الاختيار وما ي ا رفقه من أحاسيس المسؤولية والقلق والعبث والغربة والعجز واللا انتماء،
ورسمت صورة للإنسان الحديث على أنّه في الوجود كمسافر فوق بحر لا خريطة له.
2 4 وجوه الاغتراب: - -
للاغتراب عدة وجوه من المعاني والدلالات، فمنه الاغتراب عن الوطن إلى جهات
بعيدة وقاسية بالنسبة له، ومنه الاغتراب النفسي وذلك حين يشعر المرء أنه يعيش غريبا بين
أبناء مجتمعه، ومنه أيضا اغتراب المرء عن نفسه، وهناك الاغتراب الذي ينفصم فيه، وهناك
الاغتراب الذي ينفصل فيه الإنسان عن أهله وأصدقائه ويهرب إلى مجتمعات أخرى.
واذا ألقينا نظرة على كلمة الاغتراب فإنّه يتهيأ لنا منذ الوهلة الأولى أنّها عبارة عن
سفر ومسافرين، وبعد عن الديار والأهل، مثلا نجد الكثير من المغتربين يشقون البراري
والصحاري، فالاغتراب الذي تود الحديث عنه هو الاغتراب الذي يدخل في إطار البعد عن
الوطن، وما يولده هذا الاغتراب من أثر في نفس المغترب) 1 .)
3 4 أسباب الاغتراب: هناك مجموعة من الأسباب لعل أبرزها: - -
- الحاجة إلى المادة: هي التي تدفع الإنسان إلى الاغتراب، فهو يعتبرها بمثابة العصب
القوي، تستطيع أن تدفع الإنسان إلى جهات فوقية وهذا سبب من إحدى الأسباب الرئيسية
للإغتراب
- إلى جانب أنّ المغترب يجدد سنوات اغتراب به بسنتين أو ثلاثة، ولكن عندما يبدأ
بالحصاد المادي تقوى شهوة الطمع في باطنه، حيث تصبح القناعة كلمة ضائعة بين أكوام
الدنانير.
- السعي وراء العلم والحصول عليه هو سبب آخر للاغتراب، يقطع فيه المسافات
الطويلة) 2 )
4 4 الفرق بين الغربة والاغتراب: حظيت ظاهرتي الغربة والاغتراب باهتمام المفكرين -
1 - ، طالب ياسين: الاغتراب، تحليل اجتماعي ونفسي لأحوال المغتربين وأوضاعهم، المكتبة الوطنية، عمان، ط 9
.95 ، 9115 ، ص 01
2 - .96 ، المرجع نفسه: ص 92
والفلاسفة والأدباء الذين أشاروا إلى أ ن ثمة فرق بين بينهما، وعلى ال رغم من أنّ معظم
معاجم اللّغة قد جعلتهما من المترادفات اللّفظية، إلاّ أنّنا نلمس فروقا بينهما من حيث الدلالة،
الغربة هي البعد والتنحي عن الناس، لأسباب قاهرة، مخارج الإنسان كمعنى « إذ أ ا ن
(» مج رد 1 (؛ أي أنّ الغربة هي البعد الوطن والابتعاد عن المجتمع الأم، وذلك يعود لأسباب
عديدة منها الدراسة أو العمل، الحروب السياسية، وهذه الغربة خارج إ ا ردة الإنسان، كما تكون
(» الغربة مقترنة بالبعد عن الوطن وفراق الأهل والأحبة، وهي بذلك مرتبطة بالمكان « 2 ؛)
حيث أنّ الغربة تعني البعد عن الوطن والأهل، إذ يترغب الإنسان غالبا من أجل العمل أو
الدراسة، وهي انتقال من بلده إلى بلد آخر.
غربة وجودية: غربة المكان، غربة النفس في وطن غير الوطن، « الغربة عند شعرائنا
وسط أهل غير الأهل، غربة الورع عن الجذور، بينما هي في المفهوم الحديث اغتراب
(» حضاري وموقف يتخذه المثقف الغربي الفارغ قلبه من كلّ القيم الروحية 3 (؛ حيث أنّ الغربة
نجدها بكثرة عند شعرائنا الذين يشتكون منها بسبب هجرتهم ونفيهم من بلدانهم، كما اعتبروها
غربة النّفس في وطن غير وطنهم، إضافة لاعتبار أنفسهم غرباء في وطن آخر وسط أهل
غير أهلهم الحقيقيين، وتكون الغربة التواري والاختفاء عن الآخرين، وتكون الغربة في
1 - . مصطفى فاروق عبد العليم محمود: الاغت ا رب في شعر ابن أيدمر المستعصمي، ص 10
Htttps://jffe.journals.ekb.eg
2 نضال عليان عويض العماوي: الغربة والحنين في شعر أحمد شوقي، - مخطوط إش ا رف د/ ماجد محمد النعامي،
. الجامعة الإسلامية غزة، فلسطين، 5090 ، ص: 20
3 - . المرجع نفسه: ص 29
المفهوم الحديث الاغتراب الحضاري الذّي يسكن أحشاء المثقّف الغربي الذّي يريد أن يغيّر
الواقع الاجتماعي ومقاومته للانصهار في الوسط الحضاري لبناء الحضارة الإنسانية على
أسس متطابقة مع الفطرة الإنسانية.
تستأصل الإنسان من كلّ ما يربطه بالحياة والحيز الإنساني وتحرك « إن ظاهرة الغربة
في عوالمه الباطنية، أنغام الحزن والشقاوة، ولكنها تتحول في الأعمال الشعرية إلى زف ا رت
(» حزن، وصرخة في وجه الحياة الجائرة البائسة وانتصار للفرج والخلاص 1 (؛ حيث إنّ ظاهرة
الغربة والحنين قديمة قدم الإنسانية، عرفها الإنسان منذ ان وطئت قدماه على وجه الأرض،
وما ا زل يلازمه وتصاحبه بمأساتها إلى يومنا هذا، وذلك إضافة إلى الأوضاع التي يعيشها
الإنسان، وهذه الظاهرة ترّك داخل الإنسان أنغام الحزن والألم والشقاوة، وكان الشعر العربي
مليء بتلك الشواهد منذ بداياته، وتحوّلت أعمالهم إلى مواضيع عن الألم والحرقة، فلقد كان
الشع ا رء الأوائل يقفون على الأطلال وكان وقوفهم هذا هو الشعور بالغربة عن الديار
والأحباب، حيث لا يسعى إلى من يوجه مصيره في وحدة قائمة لا جيب يواسيه ولا فكر
مسعف ينير طريقه، ولا عافية تعينه على مواجهة الصعوبات، وهم دائما ينتظر بفارغ الصبر
الفرج.
1 حمة دحماني: ظاهرة الغربة والاغتراب في شعر مفدي زكرياء، مخطوط، إش ا رف د/ عبد الله حمادي، قسسم الأدب -
. 5006 ، ص 29 / العربي جامعة منتوري قسنطينة، 5002
من خلال هذا نستنتج أنّ الغربة توجد منها المذمومة والمحمودة، فالمذمومة هي حالة
عدم الانسجام بين مكونات الفطرة ومكوّنات الحضارة التي يعيشها الإنسان، بينما الغربة
المحمودة هي الانتقال والابتعاد عن المجتمع والسفر بعيدا.
بينما تعد مشكلة الاغتراب باعتباره حالة مميزة للإنسان في عصرنا هذا وذلك بسبب
تضارب الآراء والاتّجاهات، ويكون الاغتراب مثل الانسلاخ عن المجتمع والعزلة، والانعزال،
افتعال « والاختفاء بسبب عدم التكيف مع الأوضاع السائدة في المجتمع، كما يكون أيضا
الغربة والخروج على القيم والأعراف والتقاليد التي يؤمن بها المجتمع، وكذلك هو عجز عن
– - (» التأثير في المجتمع داخل الإنسان وبمعنى أوضح الاغتراب طوعا والغربة تفرّ قسوا 1 ؛)
حيث أنّ الاغتراب يكون نتيجة الغربة وذلك برفض العادات والتقاليد التي يؤمن بها مجتمعه
أو عجز عن الانتماء إلى المجتمع وتقاليده، أو الاختلاف بسبب التميّز والتعالي عن
المجتمع، وبكون الاغتراب طوعيا.
نفسية يعاني منها الفرد، ويشعر معها بعدم الصلة بالواقع المعاش، « اولاغتراب حالة
ويعد اله وة بينه وبين الآخرين، وعلى الصعيدين الأسري والاجتماعي، بحيث يؤدي هذا
الانفصال إلى ركون الفرد إلى العزلة والانطواء وتحقير الذّات، وذلك لعدم الشعور بأهمية ما
(» يقوم به من أعمال، وبالتالي فإنه يعد حياته نوعا من الهراء المعاش 2 (، ومنه يعتبر
1 مصطفى فاروق عبد العليم محمود: الاغتراب في شعر ابن أدمر المستعصمي، -
ص 10 https//jffe.journals.ekb.eg .
2 - . المرجع نفسه: ص 12
الاغتراب حالة نفسية يعيشها الإنسان داخليا، إذ يشعر بالوحدة وعدم الاتّصال مع واقعه،
وتكون علاقته مع الآخرين بعيدة، وفي الأخير تؤدي هذه الوحدة و هذا الانفصال إلى العزلة
واحتقار الذّات، وحتى عدم إعطاء أهمية لحياته وللأعمال التي يقوم بها، والاغتراب هو
مجرد عملية تحويل منتجات النشاط الإنساني والاجتماعي إلى شيء مستقل عن الإنسان.
انعدام السلطة والانخلاع، والانفصام عن الذّات والأنوميا « كما يعني الاغتراب بمعنى
( anomie (، والأشياء أو التذمر والهداء والعزلة وانعدام المغزى في واقع الحياة والإحباط
( frustration (») 1 (؛ والواضح أنّ المغترب منعدم على السلطة والانخلاع، وكذا فهو متصل
عن الذّات والشعور بالاستياء أو التذمّر والانسلاخ عن المجتمع والعزلة والشعور بالإحباط
وغياب المغزى للحياة.
مثالي خيالي منعه الغرباء أو المتوحدون لأنفسهم يلجؤون إليه « إنّ الاغتراب عالم
(» للفرار بأفكارهم وتص وراتهم، لأنّهم لم يتأقلموا مع واقعهم الاجتماعي الذي تربوا فيه 2 ؛)
باعتبار أنّ الاغتراب حالة مميّزة وعالم مثالي متواجد عند الغرباء أو الموحدين لأنفسهم، وهذا
وجد من أجل التغلب على أفكارهم السلبية، ومعيشتهم المحزنة رغم بعدهم عن مجتمعهم، فهم
يفهموا العزلة ويرون أنّها الوسيلة التّي تساعدهم على التفكير المؤام وتص وراتهم المحزنة،
هذا الاغتراب هو الشعور بعدم التفاؤل بين الذّات وذوات الآخرين ونقص المودة والألفة « و
1 - . حمه دحماني: ظاهرة الغربة في شعر مفدي زكرياء، ص 92
2 - عرفات كرم مصطفى: ظاهرة الاغتراب، توطئة 5090 stoniato@.yahoo .
(» معهم وندرة التعاطف والمشاركة وضعف أوامر المحبة الاجتماعية مع الآخرين 1 (؛ حيث أنّ
الاغتراب هو شعور الفرد بالغربة والانفصال عن النفس وعن الآخرين وذلك ما يؤدي إلى
نقص الصداقة والمودة وغيابها، ويبتعد نهائيا عن المجتمع وعدم انتماءه إليه.
الاضطرابات في علاقة الفرد بنفسه والعالم من حيث يشعر « ويعتبر الاغتراب نوع من
المرء بأنّه غريب عن ذاته منفصل عن واقعه بسبب فقدان المعنى المتمثل بصورة أساسية
(» في الهدف 2 (؛ إذ يكون الاغتراب هو الانسحاب عن المجتمع وعدم وجود تفاعل اجتماعي
بين المغترب وبين الجماعات التي يعيش فيها، وذلك ما يشعر بأنّه غريب عن ذاته، فهو
يعيش حالة انفصال عن واقعه والجحر؛ أي الشعور بأنّ مصيره ليس في يده وحياة لا معنى
لها معدومة الهدف.
نستنتج في الأخير أنّ الاغتراب حالة نفسية وشعور الانفصام بين الذّات الواعية وقوى
اللاّ وعي، فالإنسان الاغترابي هو الذي يكون غريبا عن مجتمعه، أو ذلك الإنسان الذّي
حوّل إلى إنسان ذي علاقة غير ودية بمجتمعه.
-5 الذّات والوجود:
كلّ صلة بين موجود وموجود هي صلة بين ذات وذات، إمّا بين الأشياء، « الوجود هو
فلا وجود لغير احتكاكات ميكانيكيّة ''لا صلات'' ولا تكون الأنا ذاتا إلاّ إذا انعكست على
1 فاطمة جمشيدي : ملامح الاغتراب في شعر "علي فودة" وردود فعله عليها، مجلة إضاءات نقدية، جامعة أ زد -
. 5096 ، ص 62 ، الإسلامية، إيران، ع 52
2 - . فاطمة جمشيدي: ملامح الاغتراب في شعر "علي فودة" وردود فعله عليها، ص 65
نفسها، وهذا الانعكاس أو التأمل الباطني يسمح لها بامتلاك ذاتها واكتساب حريتها وتأكيدها
(» في الوقت نفسه، كيف يمكن إذن أن تؤثّر في ذات أخرى 1 (؛ ومنه يمكننا أن نقول وفقا لما
سبق انّ كل صلة بين الموجود حسب المذهب الوجودي أي بين كل ما هو ظاهر للعيان
ملموسا ومحددا في الواقع، وبين موجود آخر ماهي سوى صلة بين ذات وذات أخرى؛ نفهم
من هذا أنّ الوجود هو الذّات في منظور الوجوديين وأنهما يدلاّن على الشيء نفسه، وما
يكون بين الذّات وذات أخرى يندرج تحت تسمية ''صلة'' والصلة تتطلب..... وغيابها عكس
العلاقة بين الأشياء التي تكون خاضعة لاحتكاكات ميكانيكية، فهي ظواهر مرتبطة بعلة
السببية والمسببة هذه تعني أنّ الذّات هي الوجود، بوعي الذّات به؛ أي لا معنى للوجود إن
لم تفهمه الذّات، والتي يجب أن تعود قبل فهم الوجود والاتحاد معه إلاّ فهم نفسها والانعكاس
إليها داخليا لتحقيق تأثير في الذوات الأخرى، فلا يمكن لذات أن تتصل أو تتواصل أو
تتفاعل مع ذات أخرى إلا بفهم داخلي لنفسها.
للوجودية دلالة مزدوجة، وهي: دلالة باعتبارها تيارا فلسفيا نمت في داخله مذاهب
متعددة، ودلالة بوصفها ظاهرة اجتماعية موسومة بكلمة ''وجودية'' تلك الكلمة التي انتشرت
انتشار البلاغة غير المألوفة في الأعوام الأخيرة، ومع ذلك فثمة سؤال مبدئي يعرض نفسه
ألا وهو تعريف ما يفهم من كلمة وجودية، ذلك أنّ هذا التعريف لا يأتي من تلقاء نفسه، بل
إنّ فكرة الوجودية نفسها تتخذ دلالات شتى، إذ يجوز للإنسان في الواقع أن يظن أنّ فكرة
1 - ، ريجس جوليفيه: المذاهب الوجودية من كيركجورد إلى جان بول سارتر،دار الآداب ، بيروت ، لبنان، ط 9
. 9199 ، ص 25
فلسفة الوجود ينبغي أن تفرض نفسها على الجميع، بمعنى واحد وبمقدار واحد، ويرى
''بسبرز'' أنّ النّظر في الوجود يقتضي انكار للفلسفة باعتبارها مذهبا وأنّ ''فلسفة الوجود'' لا
تعني سوى تحليل الوجود من حيث أخص ما فيه من فردية وعينية، و''هيدجر'' قال أنّ
الوجودية تقتصر على التحليل ال وجودي التي يردها إليه ''بسبرز'') 1 .)
وشغلت الذّات بما فيها من غموض، وتنوع عددا من المفكرين والفلاسفة من آ ا رء
سق ا رط الأولى، ومن تلاه من فلاسفة اليونان، وفي العصر الحديث لقيت هذه الكلمة اهتماما
واسعا، وجمعت للكثير من البحث والتفكير، كما تناولتها مذاهب كثيرة، مثل: المذهب
الوجودي، حيث سعى الباحثون إلى د ا رسة الذات الإنسانية ) 2 .)
-6 ثنائية الأنا والآخر:
تعد إشكالية الأنا والآخر من أهم المسائل والقضايا التّي عبرت عنها الرواية العربية
عامة والجزائرية خاصة، حيث أنّ الحالة الاجتماعية التّي يتمركز فيها الإنسان تبدأ من
علاقة الانا والآخر، وقد يحافظ الفرد على ذاته ويتكيف مع الآخرين، وذلك ما جعله يشكّل
العلاقة مع الآخر والاعتماد على أدوات التواصل فيما بينهم.
1 6 الأنا )الذّات( ) - - ego (: تعتبر الذّات بمثابة الدرع الواقي للإنسان، وهي أيضا
1 - .2 ،6 ، ريجيس جوليفية: المذاهب الوجودية من كيركجورد إلى جان بول سارتر، ص 2
2 مها الفيصل: البحث عن الذّات، دراسة في رواية سفينة وأميرة الطلال، مجلّة الأث ا رلأدبي،.جامعة قاصدي -
. 5002 ، ص 919 ، مرباح، ورقلة، الجزائر،ع 2
وهي أيضا الذّات الواعية، كما أنّها مجموعة من الحالات النفسية المتغيرة والمتصلة
فتمثل الأنا الإدراك والتفكير والحكمة الملائمة العقليّة، ويشرف على الننشاط الإرادي « معا
(» للفرد 1 (؛ حيث تعتبر الأنا بمثابة تفاعل الفرد وحصوله على المعلومات حول ما يحيط به،
والتفاعل أيضا في المعلومات الحاضرة مع الماضية، وانتاج تنظيمات عقلية جديدة، كما أنّها
تعتبر حكمة عقلية وملائمة، وتكون في مسار ا لشاط الإرادي والواعي.
تنشأ بوضوح من ذلك الجزء الذي تكون نواته جهاز ''الإد ا رك الحسي'' ثم يبدأ « إ ا ن الأنا
( » في إشمال ما قبل الشعور الذي يجاور الأنا الباقيّة في الذاكرة 2 (، ومنه فالأنا هي إد ا رك
حسي خالص يطلق على العملية العقليّة، ويكون ما قبل الشعور الذي يكون في إد ا رك ووعي
نفسه، ويكون أيضا مجاورا للآثار الموجودة في الذاكرة.
الحياتي، النفسي، « : ويمكن أخذ الأنا بعين الاعتبار على أصعدة مختلفة، منها
الخلقي، المجتمعي والديني...إلخ، و)الأنا( تمثل الوحدة الشخصية مثبتة بهذا التمثيل
(» استقلالها الذاتي 3 (. وتكون هذه الانا معبرة عن أشكال مختلفة كما أنها يمكن أن تكون
نفسية أو اجتماعية أو خلقية أو غيرها، وماهي إلاّ وحدة شخصية تعبر إلا عن ذات، والتي
هي ذات الإنسان.
1 - . 5099 ، ص، 29 ، عماد سامي سليمان: حرّر ذاتك منك، دار الفارابي ، بيروت، لبنان، ط 9
2 - . 9122 ، ص، 20 ، سيجموند فرويد: الأنا والهو، ت: محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، بيروت، ط 2
3 - . 9122 ، ص، 22 ، نسيم ناصر: معرفة الذّات، منشورات عويدات،.بيروت، لبنان، ط 2
على كل حال تكون الانا هي وحدة الذّات، وهي ذلك المبدأ الذي تنسب إليه حالة الفرد
الأنا الذّات، والذّات هي كلّ ما يشتمل عليه هذه الذّات من « أو فعاليته. ومن هذا فإنّ
خصائص نفسية عقلية أو مزاجية ودفاعية، ومن أفكار وطموحات وصراعات، وتوترات
وحاجات فيزيولوجية، وحاجات نفسية، كالحجات للحب أو الانتماء أو الأمن و تحقيق
(» الذّات 1 (؛ ومن هنا يمكننا القول أنّ الذّات هي الأنا وكلاهما يعبران عن مجموعة من
الأفكار والتصورات، وكذا الإدراكات السلوكية، وكما أنهما الإ ا ردة والإدراك للفرد، فهما إدراك
العقل للواقع، ومن ثمّ تحويلهما إلى تجربة ملموسة من خلال الممارسات اليومية التي يدركها
العقل.
والأنا حسب ''ديكارت'' مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمعرفة والعقل والفكر، وهذا حسب
مقولته الشهيرة ''أنا أفكر إذا أنا موجود''؛ إذن فالأنا يقابلها الآخر، كما أنّهما يعتبران خلقين
لبعضهما ؛ حيث أنّ الذّات لاتثبت وجودها إلاّ من خلال تواجد الآخر وتداخلها معه.
2 6 الآخر ) - L’autre :)
إذا كان الإنسان بطبعه يتميز بشخصيتة التّي تشعره بذاته، ويكون ذلك الشعور لا
معنى له من دون الآخر، لأنّ الإنسان يتعامل ويتفاعل مع الآخر أو الغير.
أنّ « : والآخر هو المقابل للأنا والمثيل له، وهذا ماأكده الباحث شاكر عبد الحميد بقوله
الآخر قد يكون أحد الأفراد، وقد يكون جماعة من الجماعات أو أمّة من الأمم، فالآخر قد
1 عمرو عبد العلي غلام: الأنا والآخر ''الشخصية العربية والشخصية الإسرائيلية في الفكر الإس ا رئيلي -
. 5002 ، ص 01 ، المعاصر''، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ط 9
(» يكون قريبا أو يكون بعيدا أو قد يكون صديقا وقد يكون عد وا 1 (؛ ومن هذا القول ندرك أنّ
الآخر يتخذ أبعادا مختلفة فهو قد يكون مختلفا عن الأنا، فهو نقيض له، ويمكن لهذا الآخر
أن يحمل صفة الخير أو الشر اتّجاه الأنا.
اولجدير بالذكر هنا أنّ الآخر يمثل الشخص المختلف عن الأنا، ونجد أنّ الأنا والآخر
هما مجرد ضمائر سردية مستخدمة في الروايات والقصص والحوار، وكل الاعمال الأدبية
وحتى في الحياة الواقعية وفي الحقيقة أنّ استعمال أيّ من ضمائر السرد تستدعى حضور
الأنا والآخر.
الآخر هو الضد، المختلف والنقيض للأنا بما يحمله « وعند وجودهما مع بعض فإنّ
(» من صفات وخصائص وقيم متنوّعة ومتباينة 2 (؛ ومنه يكون الآخر هو الشخص الذي يقابل
الذّات، فهما يختلفان من حيث الصفات والقيم، كما أنّ الآخر يبسط للذّات قيمة الوجودية.
كما يعتبر الآخر الجانب الذّي يقابل الأنا إضافة إلى كونه مفهوم جوهري ومن
الباحث جان فارو في « : مقوّمات الذّات، ولا تكون كذلك إلاّ من خلال وجود الآخر، كما قال
بحثه له بعنوان ''الآخر من حيث هو اخت ا رع تاريخي'': ثمّة نزعة إلى طرح التساوي
"الإنسان= وعي" على أنّه تساوي بديهي، والحال أنّ من يسلم بالوعي يسلم بإد ا رك الذّات من
1 عمرو عبد العلي غلام: الأنا والآخر ''الشخصيّة العربية والشّخصية الإس ا رئيلية في الفكر الإسرائيلي -
. المعاصر''، ص 95
2 محمد جلال و محمد كمال سرحان: الذّات والآخر في الجب في كونبهاجن، مجلة جامعة الناصر، صنعاء -
. اليمن، ع 6، ديسمبر 5092 ، ص: 522
(» حيث هي فرد، فيسلم إذن باكتشاف الآخر 1 (؛ وذلك أنّ البحث بين الأنا التي هي الذّات
التي تعتبر تساوي بديهي بالآخر الذّي يمثّل الأنا الجمعية، حيث أنّ في نضره الذّي يسلم
بالذّات الفردية يجب أن يحتوي ويناقض الجانب الآخر، لأنّ الآخر خلق من أجل الأنا، وأنّ
الآخر هو الذي يعكس للإنسان الصّورة الحقيقيّة التّي يكوّنها عن نفسه.
مركب من صفات وخصائص النفس البشرية والاجتماعية « والآخر هو عبارة عن
والسلوكية والفكرية، ينسبها فرد ما إلى الآخرين، وكل تعريف يطلق على ''الأنا'' من شأنه أن
(» يطلق على ''الآخر'' أيضا 2 (؛ أي أنّ الآخر من منظور علم النفس هو مجموعة من
السلوكات الاجتماعية والنفسية والبشريّة والفكرية التي ينسبها فرد أو جماعة إلى الآخرين،
والأنا ترتبط بعلاقة اختلاف من حيث الجنس أو الفكر مع انا أخرى، وبينما تكون الأخيرة
هي الآخر.
في الأخير يمكن القول أنّ الآخر ماهو سوى بنية رمزية تساعد الأنا على تحقيق
وجودها.
1 عمرو عبد العلي غلام: الأنا والآخر ''الشخصية العربية والشخصية الإسرائيلية في الفكر الإسرائيلي -
. المعاصر''،ص 99
2 - . المرجع نفسه: ص 92
)*( جاء في لسان العرب عن ''الآخر'': أنّ الهمزة والخاء والآرآء أصل واحد ترجع عروبه، وهو خلاف التقدم، -
وهو قريب مما مضى ذكره، إلاّ أنّ قولنا آخر الرجلين، وقال الآخر هو لقول ابن دريد )أستد ملائمة وأحسّ
مطابقة وآخر جماعة أخرى(، ص 60 ، معجم مقايّيس اللّغة، أبو الحسن أحمد بن فارس زكرياء.
3 6 الصراع بين الأنا والآخر: - -
أخذت العلاقة القائمة على الصراع بين الانا والآخر أهمية كبيرة في الدراسات الفلسفية
والنقدية، إذ أنّها بكلّ بساطة تمثل مسألة جدلية وجدت منذ وجود الإنسان على الأرض، لأنّ
العالم إردتان، ومنها تكون هناك إرادة مقابلة للإ اردة الأخرى، وهذه ا لنائية هي مجّ د حدود
فاصلة بين ذاتين مختلفين، وذلك في حالة عدم اتفاقهما وغياب الاحترام والتبادل يؤدي إلى
خرق وتشكّل الصراع بينهما.
واقع الحياة، بل إنّ الصراع هو قانون « وهكذا فإنّ فكرة الصراع تأخذ دائما حضورها في
( » الحياة الأزلي الذي يحكم علاقات الأفراد ويحدها 1 (؛ فالصراع إذن وجد أساسا لعلاقة الأنا
والآخر، ولذلك احتلّ مكانة متميّزة في فكره، إذ يعتبر هو الأساس للوعي والوجود، وبه تدرس
طبيعة العلاقات الموجودة بين الأفراد والجماعات، فهو صراع موجود منذ الأزل يكون بين
طرفين، فهو في الأخير يؤدي إلى التناقض والنفي السلبي بينهما.
إنّ الصراع القائم بين الأنا والآخر يعني الفصل ونوع من التنازع والتصادم بين
وعادة ما ينظر الأنا إلى نفسه على أنّه « الطرفين، ويكون واحد منهما مختلف عن الآخر
( » الأكمل والأصوب والأفضل، والآخر هو الناقص والخاطئ والأسوأ 2 (؛ حيث أنّ الأنا دائما
ما يرفع من قيمته عن الآخر، إذ أنّه يعتبر الآخر من الهامش ويصفه بالأسوأ والخاطئ،
1 الحويطات مفلح: الأنا والآخر في شعر المتنبي: دراسة في إشكالية الظاهرة وتجليتها، الحويطات مفلح، المجلة -
. العربية للعلوم الإنسانية، الكويت، مج 22 ، ع 929 ، الكويت، 5092 ، ص 922
2 - . خليل عودة، جدلية العلاقة بين الأنا والآخر في سيناريو جاهز لمحمود درويش، ص 09
وهذه العنصرية بين الأنا والآخر تمثل النظرية العدائية أو الضدية بينهما وعدم الاتفاق
بينهما.
إنّ الصراع بين الأنا والآخر صراع يعود إلى البدايات الأولى لوجود الإنسان على هذه
الأرض، وهذا الصراع قائم على ثنائية الانشاء وتكمن في علاقة التضاد بينهما.
وعلى سبيل المثال نأخذ الم أ رة والرّجل اللذين يمثّلان الأنا والآخر، الرّجل )الأنا(، الم أ رة
ظلّت « )الآخر(، وفي الدراسات العربية والأدبية تشكّل الصراع بين المرأة والرّجل، حيث
هيمنة الرّجل تلعب دو ا ر في إقصاء المرأة، بوصفها كائنا أضعف، ففي الوقت الذّي حافظ فيه
الرّجل/ العنصر الأقوى، على صدا رته نرى أنّ الم أ رة كائن أضعف بقيت تعاني الإقصاء
(» والتهميش والاستلاب 1 ( ومنه فالرّجل في المجتمعات يتصف بالقوة والشجاعة على عكس
المرأة التّي ينظر إليها أنها كائن أكثر ضعفا وأكثر قهرا، فهي تعيش حالة التهميش والاحتقار
من طرف المجتمع المتسلط.
إنّ قصة المرأة والرّجل بوصفهما القوي والضعيف واللذين يمثلان ''الأنا'' و ''الآخر'' في
الأدب والشعر الذي نوقش بقوّة إقصاء المرأة عند بعض الشعراء، مثلما نجد في قصائد
المتنبي الذي لم يولي الاهتمام إلى المرأة ودعا إلى تهميشها، حيث قال) 2 :)
إاذا ا غادرتْ ا حسْاناء وافتْ بعدها *** فمن عهدها أنْ لا يدوام لها عه د
1 هيثم كاظم صالح: استنطاق ظاهرة العنف، د ا رسة في شعر أبي الطيب المتنبي، مجلة أبحاث البصرة )العلوم -
. 5095 ، ص 22 ، الإنسانيّة(،.جامعة البصرة، الع ا رق، مج 22 ،ع 9
2 المرجع نفسه: ص 29 ، من قصيدة المتنبّي ''لقد حازني وجد بمن حازه بعد''. -
وانْ ا عشِاقتْ كاانتْ أا ا شدُ ا صباابةٌ *** وانْ افاراكتْ فاذْ ا هبْ فما افاراكاها اقصْدٌ
وانْ ا حاقاقتْ لمْ ايبْاقى في قلبِها رضى *** وانْ ارضيتْ لم ايباقى في قلبها ا حقْ د
من خلال هذه المقطوعة الشعرية نلاحظ بأن المتنبي لم يتوان في ذمّه للم أ رة.
إنّ جدلّية الأنا والآخر هي جدلية افت ا رضية يكون فيها وجود الأنا على حساب الآخر،
ويكون أيضا إلغاء الآخر لصالح الأنا، وهنا تخلق علاقة التضاد والصراع بين الأنا والآخر،
وذلك بإعطاء الأهمية البالغة للأنا والغاء الآخر، وهذا ما نجده في بعض الخطابات العربية،
هيمنة الأنا في « حيث أنّ هناك تعظيم وتمجيد للأنا وكبت والغاء كلي للآخر، وتكون
الخطاب تعني في أغلب جوانبها إلغاء الآخر، ولم تأت هذه الظاهرة من فراغ، بل تولّدت
عبر طرق أهمّها الثقافة العامة للمجتمع، والإنسان بطبعه يميل إلى حب التملك، واستظهار
(» الأنا، وهذا أمر طبيعي غير أنّ هيمنته على الخطاب أمر غير طبيعي 1 (. إنّ الأنا تكون
في الخطاب للفت الانتباه إلى نفسها فقط، وتلغي الجانب الآخر منها. وكانت هذه الظاهرة
موجودة في إطار الثقافة العامة للمجتمع، لأنّ الإنسان في الحقيقة ان يحب نفسه والإعلاء
من منزلته، وهذا أمر فطري خلق مع الإنسان، ولكن في الخطاب أمر لا يعقل وذلك ما يولد
العنف والتضاد بين الثنائيتين، إذ أنّها تعتبر الآخر يتّسم بالضعف والجهل، وقامت بإلغائه
الكلي واحتقار حقوقه.
1 - . هيثم كاظم صالح: استنطاق ظاهرة العنف، دراسة في شعر أبي الطيب المتنبي، ص 21
قطع جسرو التواصل مع « إنّ المبدع حين يدّعي تفرده في الخطاب، يعني ذلك
الآخر، ومن ثمّ التأسيس لظاهرة أكبر تصل إلى حد العنف، كنتيجة نهائية للت فد، فالآخر
(» يصبح مشوها، ومهمشا في نظر الأنا المتمرّدة والمتسلطة 1 ( فالأنا تظهر في الخطاب
متمرّدة وهي تكون بعيدة كل البعد عن الآخر، ويكون هذا الآخر غائبا عنها وتلغيه ''الأنا''
بشكل كلّي بعدم التواصل معه، وهذا حتما ما يشكل نوعا من العنف بينهما، وذلك نتيجة
عدم إعطاء صورته الحقيقية للآخرين بحيث أنّها قللت من شأنه، ويبقى في الأخير مشوّها
ومهمشا على عكس ''الأنا'' المعظمة.
إنّ الصراع بين الأنا والآخر صراع وجود وكلّ واحد منهما يرى في نفسه أفضل الخلق،
ويتشكّل هذا الصراع من النشاط الذي يقوم به الإنسان على ذاته، وهو إثبات الحرية للذّات،
ورفض الآخر في حياته لأنّه لم يعد له قيمة مميّزة عنده، وهذا الصراع القائم مع الأنا والآخر
يقودنا إلى جدلية السيّد والعبد.
السيّد يتعرّف « وهذه العلاقة القائمة على أساس السيد والعبد الخاضع تحيلنا إلى أن
إلى ذاته بصفته حرية، حرية لم تعد فقط قيمة ذاتية، ولكّها صارت حقيقة موضوعية بفضل
اعتراف الآخر بها )العبد( ويتماثل هذا الأخير، وقد فضل الحقيقة المحسوسة، مع
الشيئيّة) choséité (») 2 (، ويكون السيّد عبدا لنزعة السيطرة وحب التملّك وح رية الذّات، وهذه
1 - . هيثم كاظم صالح: استنطاق ظاهرة العنف، دراسة في شعر أبي الطيب المتنبي، ص 20
2 سعاد حرب: الأنا والآخر والجماعة، د راسة في فلسفة سارتر ومسرحه، دار المنتخب العربي، بيروت، لبنان -
. 9112 م، ص 09 ، ط 9
الحرية الذّاتية موضوعية حقيقية، وذلك بفضل اعتراف الآخر الذي يمثل العبد وما على هذا
الأخير إلاا القبول بهذه الحقيقة.
كما نجد الفيلسوف الألماني ''هيجل'' الذي اتّخذ مفهوم هذا الصراع القائم بين السيّد
مقاتل يبحث عن الاعتراف به، وما إن يحصل « والعبد، إذ وصف السيّد بأنه في الأصل
عليه حتى يصير سلبيا، ويندفع في استهلاك الأشياء التي حولها العبد، ويصير هذا الأخير
(» السيّد الحقيقي للتاريخ 1 ( حيث أنّ السيّد حسب نظره مقاتل ومسيطر وبأنّ وجوده لذاته
يقطع صلته بالطبيعة وأشياءها، فهو إذن يبحث عن الاعتراف بحرية ذاته وتكون هذه
بالرغبة في القطيعة مع الأشياء والطبيعة التي يتصارع العبد معها من أجل الاعتراف بوجوده
ليصبح الأخير سيّدا على الطبيعة وتاريخي لمقاومته ذلك للسيّد.
بين القوى الفاعلة والقوى الارتكاسية، ولا تحدّد هذه « كما بيّن ذلك دولوز، في الص ا رع
القوى كميا بل نوعيا، كالقوى الفاعلة هي الشيء، النبيل، العالي، والقوى الارتكاسية هي
العبد، السافل، وقد أدى صراع هذه القوى، كما يظهر ذلك التاريخ إلى انتصار القوى
(» الارتكاسية 2 (. وحسب ''دولوز'' وصف الصراع بين السيّد والعبد ونادى بالقوى الفاعليّة
للسيّد والقوى الارتكاسيّة للعبد، ورغم مدح السيّد ووصف العبد بالسافل والضّعيف، إلاا أانه
وجد القوى الارتكاسيّة منتصرة في ذلك الصراع القائم، فهو يستعيد انسانيته التي فقدت في
1 - . سعاد حرب: الأنا والآخر والجماعة، دراسة في فلسفة سارتر ومسرحه، ص 01
2 - . المرجع نفسه: ص 92
الصراع، وبانتصارها لازال السيّد يمنع من إنجاز فعلها وتبقى في الأخير قوى ارتكاسية
تعمل على تدمير ذاتها من أجل خدمة السيّد.
كائن محارب، والأرستق ا رطي، عند نيتشه، « أ رينا، أنّ السيّد عند هيجل هو في الأصل
(» هو في الأصل كائن ق وي، خشن، وقوّة جسمانية في الأصل، ولكونهم يفضون حياة وقوّة 1 )
وأ رى هيجل أنّ السيّد محارب وشجاع في صراعه مع الآخر، ونفس الشيء أيضا بالنسبة
لنيتشه الذّي اعتبر أن القوي لا يمكن أن يستسلم في الصراع حتى أنّه يقيم الحرب مع نفسه،
وذلك لكي يرفع من مست وى وجوده ويمثل الحياة والقوّة، وذلك للتغلب على الحيّة السلبية،
فالسيّد لا يمكن ان يحافظ على مكانته الاجتماعية ومصيره إلاّ بالصراع مع العبد والانتصار
عليه.
في الأخير يمكن القول بأنّ الصراع الجدلي القائم بين الأنا والآخر يعتبر السبيل الوحيد
لتحقيق الوعي والوجود الحقيقي للذّات، ولا يتأتى هذا الوجود إلاّ عبر الصّراع مع الآخر.
7 الذّات والسرد: -
1 7 ماهيّة السرد: - -
تنبع أهمية السرد من خلال حضوره الفعال في حقل الدراسات النقدية الحديثة، ويبدوا
أنّ الأدب العربي بحاجة ماسة إلى ذلك، لما يحتويه من موضوعات مختلفة تخدم طبيعة
العمل الأدبي من حيث التحليل والبناء ورفع سويّة العمل الأدبي باعتبار أنّ السرد مصطلح
أدبي فنّي، بحيث أنّ علم السّرد يتداخل مع الرواية بالأساس.
1 - . سعاد حرب: الأنا والآخر والجماعة، دراسة في فلسفة سارتر ومسرحه، ص 92
إنّ الذّات الساردة تنتقل بالتلقي إلى محطات متعددة الأغ ا رض، هذه المحطات تفضي
إلى مساحات واسعة وشاسعة بأسلوب قصصي ور وائي لحياة الشخصية نفسها، وعبر "بول
إنّ الهوية السردية تجمع طرفي السلسلة: ديمومة الزمن في الطبع، « : ريكور" عن هذا بقوله
(» وديمومة المحافظة على الذّات 1 (؛ بمعنى أنّ السيرورة الزمنية والذات متلازمان أي أنّ
الذّات فاعلة في الزمن والزمن فاعل فيها، وهذا ما يعبر عنه السرد، ويعتبر السرد وسيلة
جبارة في نسخ واعادة تكييف الأحداث الواقعية في توزيعها في ثنايا النص الروائي.
الذّات الساردة هي كائن تمثل محور الر واية، إذ يمكن ألا نسمع صوت المؤلف «
(» إطلاقا، ولا صوت الشخصيات، ولكن بدون سارد لا توجد رواية 2 (؛ الذّ ات الساردة هي
كائن تمثل محور الرواية، إذ يمكن أحيانا ألا نسمع صوت المؤلف، بل يوحي إلى بعض
الأشياء التي تدل على ذلك، ولكن لا وجود لأيّ رواية بدون سارد يسرد لنا أحداثها ويمكن
أن يكون ظاه ا ر أو خفيا.
شفويّة كانت او مكتوبة( والصّورة )الثّابتة كانت او (« اولسرد يمكن أن يحمل اللغة
(») متحرّكة 3 (؛ هنا نقصد أيّ سارد يجب أن يمتلك لغة، فالسّرد يمكن أن تحتملها اللّغة، سواء
1 5092 ، ص - ، فايز صلاح عثمانة: السرد في رواية الذاتية العربية، مؤسسة الوارق للنشر والتوزيع، عمان، ط 9
.55 ،59
2 عمي ا رت أسامة: تشكيل الذّات الساردة في الثقافة العربية، بحث في الإنجاز والمحتوى، جامعة محصد البشير -
.6 ، الإب ا رهيمي، برج بوعريريج، ص 2 oussamaamirat@hotmail.com
3 - - عمي ا رت أسامة: تشكيل الذّات الساردة في الثقافة العربية، ص 6 2
شفويّة ينطقها الكاتب مباشرة مثلا: الخطابات والمقامات، أو المكتوبة يجسدها بإبداعاته
وفنّياته داخل الرواية: قصّة، أقصوصة إلى آخره من الإبداعات.
2 7 علاقة الذّات بالسّرد: - -
السرد عنصر أصيل في الرواية، يتميز بالرتابة والشمولية وبالقدرة على تسريد «
مكوّنات الذّات، وعناصر الهوية، فالأمم على الدوام تكون في أمسّ الحاجة إلى السرد لبناء
كيانها وتحرير ذاته من كافة أشكال الهيمنة غير ما ينتجه التخيل واستراتيجياته من آفاق
(» غير محدودة 1 (؛ بمعنى أنّ السرد عنصر أصيل ومهم داخل الرواية، فهو شامل لكّ
جوانبه، كما أنه تلك العملية الإجرائية التي تنتج عنها في الرواية، فهو يتميز بالشمولية لا
حدود له، يتّسع ليشمل مختلف الخطابات سواء أكانت أدبية أو غير أدبية، فالأمم بحاسة
ماسة إلى السرد ، فهو يشكل صورة على مجتمعه وتاريخه وقيمه وموقعه، وعن الآخر وكل
ما يتصل به، وذلك لكي يثبت ذاتها وتحررها من كل أشكال الهيمنة، وذلك عبر ما ينتجه
واستراتيجياته من عدة آفاق غير محدودة.
الفعل السردي الخلاق الذي ينتج المعنى « إنّ المتخيل الأدبي في السيرة الذّاتية هو
السردي للسير ذاتي، لأنّ أهم ما يميزه هو ارتكازه على ثنائيّة التفكير والتذكر، فإنّ دراسة
مقوّمات الملفوظ السير ذاتي يستدعي الوقوف على جدلية ما بين الظاهرتين وكيفيات تفاعلها
1 ذهبية جوادي: السرد وتشكيل الهوية، قراءة في رواية ''البحث عن العظام'' للطاهر جاووت، مجلة مخبر -
. 5092 ، ص 92 ، أبحاث في اللغة والأدب الجزائري، جامعة بسكرة، الجزائر، ع 92
(» بغية إنتاج ما نصطلح عليه بمشروع بناء الهوية السرديّة في السيرة الذاتية 1 (؛ بمعنى أنّ
المتخيل الأدبي في السيرة الذّاتية هو الفعل السردي الذّي ينتج المعنى السردي، وذلك بنسج
واعادة تكيف الأحداث الواقعية والمتخيلة )أي المزج بين الواقع والخيال( وأهم ما يميزه هو
ارتكازه على ثنائية التفكير والتذكر.
المرآة التي يلتقي فيها الفرد مع ذاته، « و أكد جورج غاسدورف أنّ السيرة الذاتية هي
وهذا التماهي مع الذّات يحضر للتعبير عن أحاسيس ال رضا عن النفس والاعتزاز بقدرات
(» الذّات ومواهبها وسيماتها المنفردة 2 (؛ بمعنى أنّ السيرة الذّاتية )أو السرد الذاتي( هي المرآة
التّي يلتقي فيها الفرد مع ذاته، فالشخص عندما يريد أن يقوم بسرد شيء ما يلتقي مع ذاته،
وذلك للتعبير عن أحاسيس الرضا عن النفس والاعتزاز بقدرات الذّات الخلاقة ومواهبها في
سرد تلك الأحداث، فالذّات الإنسانية بسماتها المنفردة، فهذا ما يميز الذّات على غيرها
)تتميز بالانف ا ردية( بما يسمى بالأنا، فلها قدرات ومواهب وسيمات تميز عن غيرها.
1 الشيخ سلطان بن محمد القاسمي: انعكاسات القراءة في سرد الذات لريم العيساوي، منشورات الشيخ القاسمي -
.65 ، تونس، 5099 ، ص: 69
2 - . المرجع نفسه: ص 65
تعبيريا لخبرتها، وطريقة للتواصل وشكلا لفهم « و تتجلى أهمية السرد بوصفه تجسيدا
( » العالم، وأنفسنا في النهاية 1 (؛ بمعنى أنّ السّرد هو طريقة للتواصل وشكلا لفهم العالم، فهو
عنصر أصيل ومهم، فاعتباره عملية إجرائية في الرواية أو أيّ عمل أدبي بحيث يشكل
صورة عن مجتمعه وتاريخه، فيكون شكلا آخرا لفهم العالم من جهة وأنفسنا من جهة أخرى.
الفناء من خلال تأصيل الهوية، فالهوية تحلّ في « كما أن السرد هو صراع الذّات ضدّ
السرد وتنتشر فيه، ومن هنا ينشأ الالتباس بين الهوية والسرد، وكأن حضور أحدهما نفي
(» للآخر، إذن العلاقة بين الذّات والسرد ليست علاقة تنافرية طاردة، بل تواصلية متفاعلة 2 ؛)
بمعنى أنّ للإنسان ذو رغبة جامحة في فهم عالم الأشياء والسيطرة عليه، وقد ادرك بأنّ ذلك
لا يتمّ له إلاّ عبر عالم السرد، فحاول احتواء هذا العالم داخل نصوصه السردية توظيفا
وفهما وتأويلا، فهو بهذا يكافح من أجل إثبات ذاته وهويته، والاّ فإنه سيفنى ويتلاشى في
هذا الكون الفسيح.
الزمن، أنّ الممارسة السردية تعبير عن وجود « اولسرد تعبير عن هوية فردية داخل
(» وفاعلية الذات 3 (؛ بمعنى أنّ السّرد هو تغيير عن الذّات داخل دائرة الزّمن والممارسة
السردية في تلك العملية الإجرائية التّي تعبر عن وجود وفاعلة الذّات وتثبيت وجودها،
1 جينزيرو كميير ودونال كربو: السرد والهوية دراسات في السيرة الذاتية والذات والثقافة، ت: عبد المقصود عبد -
. 5092 ، ص 02 ، الكريم، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط 9
2 معي الطائي: الذّات والممارسة السردية، مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية. -
، ع 29 . ص 95
3 - . المرجع نفسه: ص 25
فالممارسة السردية تمشي جنبا إلى جنب مع الذّات، فهي تعّر عنها، فالسرد هو شيء يحكى
ويعرض بحيث يعبر عن الذّات.
( » الذات التي تنتجه فيه لغرض الفهم والتأويل « ويعتبر السرد إحدى نشاطات تلك 1 ؛)
فالسرد شيء يحكى ويعرض ويعبر عن الذات، فهي إحدى نشاطات تلك الذّات، فالذّات
تعبر على كل ما في داخلها، حيث تتأمل فيه لغرض الفهم والتأويل والتفسير.
الأدب: هناك من يقول أن الأدب مرآة، ويتردد هذا المصطلح منذ أفلاطون وحتى أيامنا
هذه، وخلافا لكل ما تقدم هناك من يحاول أن يعرف الأدب من خلال الأداة، فالأدب فن
لغوي، أو لغة الخيال، أو كيان لغوي، جسد لغوي، أو مجموعة من الجمل، وهناك من يرى
أنّ الأدب شكل جمالي خالص أو عمل فني بحث أو نظام من ال رموز والدّلالات التي تولد
في النص ويعيش فيه.
ونظرية الأدب هي مجموعة من الآراء والأفكار القوية المتّسقة والعميقة والمترابطة
والمستمدة إلى نظرية في المعرفة أو فلسفة محدودة والتي يهتم بالبحث في نشأة الأدب
وطبيعته ووظيفته.
الخاصة للعالم، وهي الصورة التي خلقتها الذّات معتمدة « اولفن تعبير عن الصورة
الشعور والوعي العاطفي...: وكمال التعبير ها هنا هو قدرة الفن على تصوير خلق الذّات
1 - . معي الطائي، الذّات والممارسة السردية، ص 22
(» لعالمها الخاص 1 (؛ بمعنى أنّ الفن بكل أنواعه هو الصورة الخاصة التي يحاول أيّ فنان
أن يعبر عن العالم بصورة خاصة و و اعية تثير كل الاهتمام، وهذا الإبداع الذي يتميز فيه كلّ
فنان هو من خلق ذاته، فلا يمكن أن يكون انسانا مبدعا دون أن يمتلك ذاتا واعية، وذلك
بالاعتماد على الشعور والوعي والعاطفة والعقل، وكمال التعبير، هنا تكمن قدرة الفن على
تصوير خلق الذّات، فالمبدع لكي يثبت جدارته يجب أن يصور كلّ ما في ذاته وكيانه داخل
إبداعه الفني، فمن لم يستطع ذلك فهو ليس قاد ا ر بل عاجز، فالفن مرتبط وله علاقة مع
الذّ ات، فلا يمكن أن تكون فنانا دون أن تكون انسانا واعيا يملك الشعور والوعي والعقل،
فالأديب له ح رية مطلقة في قوله وكتاباته، ولا يستطيع أحد أن يمنع الأديب فيما يقول
ويكتب.
العواطف والمشاعر، والأدب علم المشاعر « اولأدب تعبير عن الذّات؛ أي تعبير عن
والأحاسيس، القلب هو ضوء الحقيقة )لا العقل( أمّا مهمة الأدب ووظيفته فإنّها تتمثل في
(» إثارة الانفعالات والعواطف 2 (؛ هنا نقصد أنّ الأدب تعبير عن الذّات، فلا وجود لذلك الأدب
من دون الذّات، فالأدب يعبر عن العواطف والمشاعر. أمّا مهمة الأدب ووظيفته فتكمن في
إثارة الانفعالات والعواطف، فالمبدع يجب أن تكون مؤلفاته مؤثرة في نفسية المتلقي.
1 - - - . تعريف نظرية الأدب وحدودها. 25 95 90 https://drive.via.edu.SAsfiles.sselction
2 - ، شكري عزيز الماضي: نظرية الأدب، دار المنتخب العربي للد ا رسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 9
. 9112 ، ص 229
الشاعر من ذاته، واللغة مادة الأدب، أمّا معنى الخلق « العمل الأدبي كائن خلقه الفنان
(» الفني فهو سيطرة الأديب على اللغة بما يضيفه عليها من ذاته وروحه 1 (؛ بمعنى أنّ العمل
الأدبي خلق من ذات الإنسان، فهناك أشخاص عندما يولدون تولد معهم إبداعاتهم في
أنفسهم وداخل ذواتهم، مثل: الرسم، الغناء، الكتابة، واللغة الصحيحة والقوية هي مادة
الأدب، فالمبدع يجب أن يمتلك لغة متميزة يستطيع من خلالها أن يؤثر في غيره.
8 الذات ونظرية الأدب: هي مجموعة من الأفكار والآراء النقدية المتّسقة والعميقة -
والمترابطة والمستندة إلى نظرية في المعرفة أو فلسفة محددة والتي تهتمّ بالبحث في نشأة
الأدب وطبيعته ووظيفته، فنظرية الأدب تدرس الظاهرة الأدبية بعامة من منطلق شمولي في
سبيل استنباط وتأصيل مفاهيم عامة بين حقيقة الأدب وآثاره، وهذا ما يميّزها عن غيرها من
مجالات الد ا رسة الأدبية الأخرى، وهي تحاول تقديم إجابات متّسقة ومتكاملة حول الأدب.
الفن عامة تعبير عن الصورة الخاصة للعالم، « وفكرة نظ رية التعبير تقوم على اعتبار
وهي صورة خلقتها الذّات المبدعة معتمدة على الشعور والعواطف وكمال التعبير الفني في
(» قدرة الفنّ على تقديم تصور ذاتي خاص 2 (؛ بمعنى أن الكاتب يحاول دائما أن يعبر عن
معاناة العالم في إبداعاته، وأن ذلك الإبداع هو من صنع ذاته، فهي الأساس .
ونظرية التّعبير تنظر إلى نفسية الفنان في تفسير العمل الأدبي كما تهتم بأهمية
التّعبير عن الذّات أي العواطف والمشاعر، فمثلا عندما يأخذ الفنان الحبّ كموضوع أساسي
1 - . شكري عزيز الماضي: نظرية الأدب، ص 29
2 - . المرجع نفسه، ص 95
لعمله ينبغي أن يثير ماي كتبه في نفسية القراء والسامعين. إذن كمال العمل في نظريّة
التعبير يكمن في قدرة الفنّ على خلق الذّات لعالمها الخاص.
العواطف والمشاعر والأحاسيس وأنّ القلب هو « اولأدب تعبير عن الذات أي عن
ضوء الحقيقة، وفهم الحياة من خلاله، وليس من خلال العقل، وأنّ وظيفة الأدب إثارة
(» الانفعالات والعواطف 1 (؛ بمعنى أنّ الأدب تعبير عن الذّات به يبدع الكاتب بكل الفنيات
التي يمتلكها، فهو يحاول دائما أن يعبر عما في ذاته من عواطفه ومشاعره وأحاسيس،
والقلب هو الذي يمتلكها، أمّا العقل فوظيفته التفكير فقط . من هنا نستنتج أنّ الأدب نتاج
الفرد، بحيث يكتب الفرد عما في أعماق قلبه، وكذلك عما يتصوره في ذهنه من تخيلات،
والخيال الجميل يقود دائما إلى إنجاح العمل الفني، والتمييز بين مبدع وآخر.
ونظرية التعبير في عمومها هي انتاج الثورة البرجوازيّة تهتمّ بالكشف عن علاقة خفية
بين ذات الأديب وكيفية تصويره للأشياء.
1 - . شكري عزيز الماضي: نظرية الأدب، ص 95
ويمكن تلخيص فكرة نظرية التعبير من خلال الرسم البياني الآتي) 1 :)
نستنتج في الأخير أن الأديب إنسان مبدع يمكنه مخالفة تقاليد مجتمعه في كتاباته
أحيانا، وهذا الأمر سيجعل عمله ا رئعا ومتميز عن غيره من الأعمال الأدبية الأخرى.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire